على دين إبراهيم ، ولم يتبين لي أكان ذلك منهم ادعاء قديما أم كانوا قد تفطنوا إليه من دعوة محمد ، فاستيقظوا لتقليده في ذلك ، أم كانوا قالوا ذلك على وجه الإفحام للرسول حين حاجهم بأن دينه هو الحق ، وأن الدين عند الله الإسلام فألجؤوه إلى أحد أمرين : إما أن تكون الزيادة على دين إبراهيم غير مخرجة عن اتباعه ، فهو مشترك الإلزام في دين اليهودية والنصرانية ، وإما أن تكون مخرجة عن دين إبراهيم فلا يكون الإسلام تابعا لدين إبراهيم .
وأحسب أن ادعاءهم أنهم على ملة إبراهيم إنما انتحلوه لبث كل من الفريقين الدعوة إلى دينه بين العرب ، ولا سيما النصرانية ، فإن دعاتها كانوا يحاولون انتشارها بين العرب فلا يجدون شيئا يروج عندهم سوى أن يقولوا : إنها ملة إبراهيم ، ومن أجل ذلك اتبعت في بعض قبائل العرب ، وهنالك أخبار في أسباب النزول تثير هذه الاحتمالات : فروى أن وفد نجران قالوا للنبيء حين دعاهم إلى اتباع دينه : على أي دين أنت قال : على ملة إبراهيم قالوا : فقد زدت فيه ما لم يكن فيه فعلى هذه الرواية يكون المخاطب بأهل الكتاب هنا خصوص النصارى كالخطاب الذي قبله وروى : أنه تنازعت اليهود ونصارى نجران بالمدينة ، عند النبي ، فأدعي كل فريق أنه على دين إبراهيم دون الاخر ، فيكون الخطاب لأهل الكتاب كلهم ، من يهود ونصارى .
ولعل اختلاف المخاطبين هو الداعي لتكرير الخطاب .
وقوله : وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } يكون على حسب الرواية الأولى منعا لقولهم : فقد زدت فيه ما ليس منه ، المقصود منه إبطال أن يكون الإسلام هو دين إبراهيم . وتفصيل هذا المنع : إنكم لا قبل لكم بمعرفة دين إبراهيم ، فمن أين لكم أن الإسلام زاد فيما جاء به على دين إبراهيم ، فإنكم لا مستند لكم في علمكم بأمور الدين إلا التوراة والإنجيل ، وهما قد نزلا من بعد إبراهيم ، فمن أين يعلم ما كانت شريعة إبراهيم حتى يعلم المزيد عليها ، وذكر التوراة على هذا لأنها أصل الإنجيل . ويكون على حسب الرواية الثانية نفيا لدعوى كل فريق منهما أنه على دين إبراهيم ، بأن دين اليهود هو التوراة ، ودين النصارى هو الإنجيل ، وكلاهما نزل