تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| 2 ( 59 ، 60 ) ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين ﴾ . ) 2

استئناف بياني : بين به ما نشأ من الأوهام ، عند النصارى ، عن وصف عيسى بأنه كلمة من الله ، فضلوا بتوهمهم أنه ليس خالص الناسوت . وهذا شروع في إبطال عقيدة النصارى من تأليه عيسى ، ورد مطاعنهم في الإسلام وهو أقطع دليل بطريق الإلزام ؛ لأنهم قالوا بإلاهية عيسى من أجل أنه خلق بكلمة من الله وليس له أب ، فقالوا : هو ابن الله ، فأراهم الله أن آدم أولى بأن يدعى له ذلك ، فإذا لم يكن آدم إلاها مع أنه خلق بدون أبوين فعيسى أولى بالمخلوقية من آدم .

ومحل التمثيل كون كليهما خلق من دون أب ، ويزيد آدم بكونه من دون أم أيضا ، فلذلك احتيج إلى ذكر وجه الشبه بقوله : ﴿ خلقه من تراب ﴾ الآية أي خلقه دون أب ولا أم بل بكلمة كن ، مع بيان كونه أقوى في المشبه به على ما هو الغالب . وإنما قال عند الله أي نسبته إلى الله لا يزيد على آدم شيئا في كونه خلقا غير معتاد ، لكم لأنهم جعلوا خلقه العجيب موجبا للمسيح نسبة خاصة عند الله وهي البنوة . وقال ابن عطية : أراد بقوله : ﴿ عند الله ﴾ نفس الأمر والواقع .

والضمير في خلقه لآدم لا لعيسى ؛ إذ قد علم الكل أن عيسى لم يخلق من تراب ، فمحل التشبيه قوله : ﴿ ثم قال له كن فيكون ﴾ .

وجملة ﴿ خلقه ﴾ وما عطف عليها مبينة لجملة كمثل آدم .

وثم للتراخي الرتبي فإن تكوينه بأمر ﴿ كن ﴾ أرفع رتبة من خلقه من تراب ، وهو أسبق في الوجود والتكوين المشار إليه بكن : هو تكوينه على الصفة المقصودة ، ولذلك لم يقل : كونه من تراب ولم يقل : قال له كن من تراب ثم أحياه ، بل قال خلقه ثم قال له كن . وقول كن تعبير عن تعلق القدرة بتكوينه حيا ذا روح ليعلم السامعون أن التكوين ليس بصنع يد ، ولا نحتت بآلة ، ولكنه بإرادة وتعلقق قدرة وتسخير الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد ، حتى تلتئم وتندفع إلى إظهار المكون وكل ذلك

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ٢٦٣