ونفي المشابهة بين الذكر والأنثى يقصد به معنى التفصيل في مثل هذا المقام وذلك في قول العرب : ليس سواء كذا وكذا ، وليس كذا مثل كذا ، ولا هو مثل كذا ، كقوله تعالى : ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ ( الزمر : 9 ) وقوله ﴿ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ﴾ ( الإحزاب : 32 ) وقول السموأل :
فليس سواء عالم وجهول
وقولهم : ( مرعى ولا كالسعدان ، وماء ولا كصدى ) .
ولذلك لا يتوخون أن يكون المشبه في مثله أضعف من المشبه به ؛ إذ لم يبق للتشبيه أثر ، ولذلك قيل هنا : وليس الذكر كالأنثى ، ولو قيل : وليست الأنثى كالذكر لفهم المقصود . ولكن قدم الذكر هنا لأنه هو المرجو المأمول فهو أسبق إلى لفظ المتكلم . وقد يجيء النفي على معنى كون المشبه المنفي أضعف من المشبه به كما قال الحريري في المقامة الرابعة : ( غدوت قبل استقلال الركاب ، ولا اغتداء اغتداء الغراب ) وقال في الحادية عشرة : ( وضحكتم وقت الدفن ، ولا ضحككم ساعة الزفن ) وفي الرابعة عشرة : ( وقمت ) ولا كعمرو بن عبيد ) فجاء بها كلها على نسق ما في هذه الآية .
وقوله : ﴿ وإني سميتها مريم ﴾ الظاهر أنها أرادت تسميتها باسم أفضل نبيئة في بني إسرائيل وهي مريم أخت موسى وهارون ، وخولها أن أباها سمي أبي مريم أختت موسى .
وتكرر التأكيد في ﴿ وإني سميتها ﴾ ﴿ وإني أعيذها بك ﴾ للتأكيد : لأن حال كراهيتها يؤذن بأنها ستعرض عنها فلا تشتغل بها ، وكأنها أكدت هذا الخبر إظهارا للرضا بما قدر الله تعالى ، ولذلك انتقلت إلى الدعاء لها الدال على الرضا والمحبة ، وأكدت جملة أعيذها مع أنها مستعملة في إنشاء الدعاء : لأن الخبر مستعمل في الإنشاء برمته التي كان عليها وقت الخبرية ، كما قدمناه في قوله تعالى : ﴿ إني وضعتها أنثى ﴾ وكقول أبي بكر : ( إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ) .