وقوله : ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ تقرير لما تضمنته الجمل كلها من عظمة الله تعالى وكبريائه وعلمه وقدرته وبيان عظمة مخلوقاته المستلزمة عظمة شأنه ، أو لبيان سعة ملكه كذلك كما سنبينه ، وقد وقعت هذه الجمل مترتبة متفرعة .
والكرسي شيء يجلس عليه متركب من أعواد أو غيرها موضوعة كالأعمدة متساوية ، عليها سطح من خشب أو غيره بمقدار ما يسع شخصا واحدا في جلوسه ، فإن زاد على مجلس واحد وكان مرتفعا فهو العرش . وليس المراد في الآية حقيقة الكرسي إذ لا يليق بالله تعالى لاقتضائه التحيز ، فتعين أن يكون مرادا به غير حقيقته .
والجمهور قالوا : إن الكرسي مخلوق عظيم ، ويضاف إلى الله تعالى لعظمته ، فقيل هو العرش ، وهو قول الحسن . وهذا هو الظاهر لأن الكرسي لم يذكر في القرآن إلا في هذه الآية وتكرر ذكر العرش ، ولم يرد ذكرهما مقترنين ، فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى : ﴿ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ﴾ ( المؤمنون : 86 ) ، وقيل الكرسي غير العرش ، فقال ابن زيد هو دون العرش وروى في ذلك عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض ) وهو حديث لم يصح . وقال أبو موسى الأشعري والسدى والضحاك : الكرسي موضع القدمين من العرش ، أي لأن الجالس على عرش يكون مرتفعا عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربع ، وروي هذا عن ابن عباس . وقيل الكرسي مثل لعلم الله ، وروي عن ابن عباس لأن العالم يجلس على كرسي ليعلم الناس . وقيل مثل لملك الله تعالى كما يقولون فلان صاحب كرسي العراق أي ملك العراق ، قال البيضاوي : ( ولعله الفلك المسمى عندهم بفلك البروج ) . قلت أثبت القرآن سبع سماوات ولم يبين مسماها في قوله ( سورة نوح ) : ﴿ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ﴾ ( نوح : 15 ، 16 ) ، فيجوز أن تكون السماوات طبقات من الأجواء مختلفة الخصائص متمايزة بما يملاها من العناصر ، وهي مسبح الكواكب ، ولقد قال تعالى ( سورة الملك ) : ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ ( الملك : 5 ) ، ويجوز أن تكون السماوات هي الكواكب العظيمة المرتبطة بالنظام