محبة الله فعلا للشرط في مقام تعليق الأمر باتباعع الرسول عليه مبني على كون الرأفة تستلزم المحبة ، أو هو مبني على أن محبة الله أمر مقطوع به من جانب المخاطبين ، فالتعليق عليه تعليق شرط محقق ، ثم رتب على الجزاء مشروط آخر وهو قوله : ﴿ يحببكم الله ﴾ لكونه أيضا مقطوع الرغبة من المخاطبين ، لأن الخطاب للمؤمنين ، والمؤمن غاية قصده تحصيل رضا الله عنه ومحبته إياه .
والمحبة : انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن شيء : من صفات ذاتية . أو إحسان ، أو اعتقاد أنه يحب المستحسن ويجر إليه الخير . فإذا حصل ذلك الانفعال عقبه ميل وانجذاب إلى الشيء المشعور بمحاسنه ، فيكون المنفعل محبا ، ويكون المشعور بمحاسنه محبوبا ، وتعد الصفات التي أوجبت هذا الانفعال جمالا عند المحب ، فإذا قوي هذا الانفعال صار تهيجا نفسانيا ، فسمي عشقا للذوات ، وافتنانا بغيرها .
والشعور بالحسن الموجب للمحبة يستمد من الحواس في إدراك المحاسن الذاتية المعروفة بالجمال ، ويستمد أيضا من التفكر في الكمالات المستدل عليها بالعقل وهي المدعوة بالفضيلة ، ولذلك يحب المؤمنون الله تعالى ، ويحبون النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للكمالات ، واعتقادا بأنهما يدعوانهم إلى الخير ، ويحب الناس أهل الفضل الأولين كالأنبياء والحكماء والفاضلين ، ويحبون سعاة الخير من الحاضرين وهم لم يلقوهم ولا رأوهم .
ويرجع الجمالل والفضيلة إلى إدراك النفس ما يلائمها : من الأشكال ، والأنغام ، والمحسوسات ، والخلال . وهذه الملاءمة تكون حسية لأجل مناسبة الطبع كملاءمة البرودة في الصيف ، والحر في الشتاء ، وملاءمة اللين لسليم الجلد ، والخشن لمن به داعي حكة ، أو إلى حصول منافع كملاءمة الإحسان والإغاثة . وتكون فكرية لأجل غايات نافعة كملاءمة الدواء للمريض ، والتعب لجاني الثمرة ، والسهر للمتفكر في العلم ، وتكون لأجل الإلف ، وتكون لأجل الإعتقاد المحض ، كتلقي الناس أن العلم فضيلة ، ويدخل في هذين محبة الأقوام عوائدهم من غير تأمل في صلاحها ، وقد تكون مجهولة السبب كملاءمة الأشكال المنتظمة للنفوس وملاءمة الألوان اللطيفة .