الطريقة الثالثة ما قاله الفخر وحاصله مع بيانه أن يكون هذا مرتبط بقوله : ﴿ إن الذين عند الله الإسلام ﴾ ( آل عمران : 19 ) أي فإن حاجوك في أن الدين عند الله الإسلام ، فقل : إني بالإسلام أسلمت وجهي لله فلا ألتفت إلى عبادة غيره مثلكم ، فديني الذي أرسلت به هو الدين عند الله ( أي هو الدين الحق وما أنتم عليه ليس دينا عند الله ) .
وعلى الطريقتين الأوليين في كلام المفسرين جعلوا قوله : ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ﴾ خارجا عن الحجة ؛ إذ لا علاقة بينه وبين كون الإسلام هو ملة إبراهيم ، ويكون مرادا منه الدعوة إلى الإسلام مرة أخرى بطريقة الاستفهام المستعمل في التحضيض كقوله : ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ( المائدة : 91 ) أي قل لأولئك : أتسلمون .
وعندي أن التعليق بالشرط لما اقتضى أنه للمستقبل فالمراد بفعل : ( حاجوك ) الاستمرار على المحاجة : أي فإن استمر وفد نجران على محاجتهم فقل لهم قولا فصلا جامعا للفرق بين دينك الذي أرسلت به وبين ما هم متدينون به . فمعنى ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ أخلصت عبوديتي له لا أوجه وجهي إلى غيره ، فالمراد أن هذا كنه دين الإسلام ، وتبين أنه الدين الخالص ، وأنهم لا يلفون تدينهم على هذا الوصفف .
وقوله : ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم ﴾ معطوف على جملة الشرط المفرعة على ما قبلها ، فيدخل المعطوف في التفريع ، فيكون تقدير النظم : ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فقل للذين كفروا بآيات الله الذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ، أي فكرر دعوتهم إلى الإسلام .
والاستفهام مستعمل في الاستبطاء والتحضيض كما في قوله تعالى : ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ( المائدة : 91 ) . وجيء بصيغة الماضي في قوله : ﴿ أأسلمتم ﴾ دون أن يقول أتسلمون على خلاف مقتضى الظاهر ، للتنبيه على أنه يرجو تحقق إسلامهم ، حتى يكون كالحاصل في الماضي .
اعلم أن قوله : ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ كلمة جامعة لمعاني كنه الإسلام وأصوله ألقيت إلى الناس ليتدبروا مطاويها فيهتدي الضالون ، ويزداد المسلمون يقينا بدينهم ؛ إذ قد علمنا أن مجيء قوله : ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ عقب قوله : ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ ( آل عمران : 19 ) وقوله : ﴿ فإن حاجوك ﴾ وتعقيبه بقوله : ﴿ أأسلمتم ﴾ أن المقصود منه بيان جامع معاني الإسلام حتى