النصارى في شأن المسيح ، وفي رسوم الدين ، ويكون قوله : بينهم حالا لبغيا : أي بغيا متفشيا بينهم ، بأن بغى كل فريق على الآخر .
ويشمل أيضا الاختلاف بينهم في أمر الإسلام ؛ إذ قال قائل منهم : هو حق ، وقال فريق : هو مرسل إلى الأميين ، وكفر فريق ، ونافق فريق . وهذا الوجه أوفى مناسبة بقوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام } ، ويكون قوله : ﴿ بينهم ﴾ على هذا وصفا لبغيا : أي بغيا واقعا بينهم .
ومجيء العلم هو الوحي الذي جاءت به رسلهم وأنبياؤهم ، لأن كلمة جاء مؤذنه بعلم متلقى من الله تعالى ، يعني أن العلم الذي جاءهم كان من شأنه أن يصدهم عن الاختلاف في المراد ، إلا أنهم أساءوا فكانوا على خلاف مراد الله من إرسال الهدى .
وانتصب ﴿ بغيا ﴾ على أنه مفعول لأجله ، وعامل المفعول لأجله : هو الفعل الذي تفرغ للعمل فيما بعد حرف الاستثناء ، فالاستثناء كان من أزمان وعلل محذوفة والتقدير : ما اختلفوا إلا في زمن بعدما جاءهم العلم وما كان إلا بغيا بينهم . ولك أن تجعل بغيا منصوبا على الحال من الذين أوتوا الكتاب ، وهو وإن كان العامل فيه فعلا منفيا في اللفظ إلا أن الاستثناء المفرغ جعله في قوه المثبت ، فجاء الحال منه عقب ذلك ، أي حال كون المختلفين باغين ، فالمصدر مؤول بالمشتق . ويجوز أن تجعله مفعولا لأجله من ( اختلف ) باعتبار كونه صار مثبتا كما قررنا .
وقد لمحت الآية إلى أن هذا الاختلاف ، والبغي كفر ، لأنه أفضى بهم إلى نقض قواعد أديانهم ، وإلى نكران دين الإسلام ، ولذلك ذيله بقوله : ﴿ ومن يكفر بآيات الله ﴾ إلخ .
وقوله : ﴿ فإن الله سريع الحساب ﴾ تعريض بالتهديد ، لأن سريع الحساب إنما يبتدىء بحساب من يكفر بآياته ، والحساب هنا كناية عن الجزاء كقوله : ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ ( الشعراء : 113 ) .
وفي ذكر هذه الأحوال الذميمة من أحوال أهل الكتاب تحذير للمسلمين أن يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك ، والمسلمون وإن اختلفوا في أشياء كثيرة لم يكن اختلافهم إلا