ويدخل في الفطرة الآداب العتيقة التي اصطلح عليها كافة عقلاء البشر ، وارتاضت نفوسهم بها ، إذا كانت تفيدهم كمالا ، ولا تفضي إلى فساد ، وذلك أصول قواعد حفظ النسب والعرض خاصة . فبهذا الأصل : أصلل الفطرة كان الإسلام دينا صالحا لجميع الأمم في جميع الأعصر .
ثم ظهر هذا الأصل في تسعة مظاهر خادمة له ومهيئة جميع الناس لقبوله .
المظهر الأول : إصلاح العقيدة بحمل الذهن على اعتقاد لا يشوبه تردد ولا تمويه ولا أوهام ولا خرافات ، ثم بكون عقيدته مبنية على الخضوع لواحد عظيم ، وعلى الاعتراف باتصاف هذا الواحد بصفات الكمال التامة التي تجعل الخضوع إليه اختياريا ، ثم لتصير تلك الكمالات مطمح أنظار المعتقد في التخلق بها ثم بحمل جميع الناس على تطهير عقائدهم حتى يتحد مبدأ التخلق فيهم ﴿ قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ﴾ ( آل عمران : 64 ) .
وكان إصلاح الإعتقاد أهم ما ابتدأ به الإسلام ، وأكثر ما تعرض له ؛ وذلك لأن إصلاح الفكرة هو مبدأ كل إصلاح ؛ ولأنه لا يرجى صح لقوم تلطخت عقولهم بالعقائد الضالة ، وخسئت نفوسهم بآثار تلك العقائد المثيرة : خوفا من لا شيء ، وطمعا في غير شيء ، وإذا صلح الإعتقاد أمكن صلاح الباقي ؛ لأن المرء إنسان بروحه لا بجسمه .
ثم نشأ عن هذا الإعتقاد الإسلامي : عزة النفس ، وأصلة الرأي ، وحرية العقل ، ومساواة الناس فيما عدا الفضائل .
وقد أكثر الإسلام شرح العقائد إكثارا لا يشبهه فيه دين آخر ؛ بل إنك تنظر إلى كثير من الأديان الصحيحة ، فلا ترى فيها من شرح صفات الخالق إلا قليلا .
المظهر الثاني : جمعه بين إصلاح النفوس ، بالتزكية ، وبين إصلاح نظام الحياة ، بالتشريع ، في حين كان معظم الأديان لا يتطرق إلى نظام الحياة بشيء ، وبعضها وإن تطرق إليه إلا أنه لم يوفه حقه ، بل كان معظم اهتمامها منصرفا إلى المواعظ والعبادات ،