تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانتصب ﴿ قائما بالقسط ﴾ على الحال من الضمير في قوله : ﴿ إلا هو ﴾ أي شهد بوحدانيته وقيامه بالعدل ، ويجوز أن يكون حالا من اسم الجلالة من قوله : ﴿ شهد الله ﴾ فيكون حالا مؤكدة لمضمون شهد ؛ لأن الشهادة هذه قيام بالقسط ، فالشاهد بها قائم بالقسط ، قال تعالى : ﴿ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ﴾ ( المائدة : 8 ) . وزعم ابن هشام في الباب الرابع : أن كونه حالا مؤكدة وهم ، وعلله بما هو وهم . وقد ذكر الشيخ محمد الرصاع جريان بحث في إعراب مثل هذه الحال من سورة الصف في درس شيخه محمد ابن عقاب .

والقيام هنا بمعنى المواظبة كقوله : ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ( الرعد : 33 ) وقوله : ﴿ ليقوم الناس بالقسط ﴾ ( الحديد : 25 ) وتقول : الأمير قائم بمصالح الأمة ، كما تقول : ساهر عليها ، ومنه ( إقام الصلاة ) وقول أيمن بن خريم الأنصاري :

أقامت غزالة سوق الضراب

لأهل العراقينن حولا قميطا

وهو في الجميع تمثيل .

والقسط : العدل وهو مختصر من القسطاس بضم القاف روى البخاري عن مجاهد أنه قال : القسطاس : العدل بالرومية وهذه الكلمة ثابتة في اللغات الرومية وهي من اللاطينية ، ويطلق القسط والقسطاس على الميزان ، لأنه آلة للعدل قال تعالى : ﴿ وزنوا بالقسطاس المستقيم ﴾ ( الإسراء : 35 ) وقال : ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ ( الأنبياء : 47 ) . وقد أقام الله القسط في تكوين العوالم على نظمها ، وفي تقدير بقاء الأنواع ، وإيداع أسباب المدافعة في نفوس الموجودات ، وفيما شرع للبشر من الشرائع في الإعتقاد والعمل : لدفع ظلم بعضهم بعضا ، وظلمهم أنفسهم ، فهو القائم بالعدل سبحانه ، وعدل الناس مقتبس من محاكاة عدله .

وقوله : ﴿ لا إلاه إلا هو ﴾ تمجيد وتصديق ، نشأ عن شهادة الموجودات كلها له بذلك فهو تلقين الإقرار له بذلك على نحو قوله تعالى : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾ ( الأحزاب : 56 ) أي اقتداء بالله وملائكته ، على أنه يفيد مع ذلك تأكيد الجملة السابقة ، ويمهد لوصفه تعالى بالعزيز الحكيم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ١٨٧