قوله : ﴿ بنيناها بأيد ﴾ ( الذاريات : 47 ) وقوله : ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ ( الطور : 48 ) فمن أخذوا من مثله أن لله أعينا لا يعرف كنهها ، أو له يدا ليست كأيدينا ، فقد زادوا في قوة الاشتباه .
ومنه ما يعتبر تأويله احتمالا وتجويزا بأن يكون الصرف عن الظاهر متعينا وأما حمله على ما أولوه به فعلى وجه الاحتمال والمثالل ، وهذا مثل قوله تعالى : ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ ( طه : 5 ) وقوله : ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ ( البقرة : 210 ) فمثل ذلك مقطوع بوجوب تأويله ولا يدعي أحد ، أن ما أوله به هو المراد منه ولكنه وجه تابع لإمكان التأويل ، وهذا النوع أشد مواقع التشابه والتأويل .
وقد استبان لك من هذه التأويلات : أن نظم الآية جاء على أبلغ ما يعبر به في مقام يسع طائفتين من علماء الإسلام في مختلف العصور .
وقوله : ﴿ يقولون آمنا به ﴾ حال من ( الراسخون ) أي يعلمون تأويله في هذه الحالة والمعنى عليه : يحتمل أن يكون المراد من القول الكناية عن الإعتقاد ؛ لأن شأن المعتقد أن يقول معتقده ، أي يعلمون تأويله ولا يهجس في نفوسهم شك من جهة وقوع المتشابه حتى يقولوا : لماذا لم يجىء الكلام كله واضحا ، ويتطرقهم من ذلك إلى الريبة في كونه من عند الله ، فلذلك يقولون : ﴿ كل من عند ربنا ﴾ . ويحتمل أن المراد يقولون لغيرهم : أي من لم يبلغ مرتبة الرسوخ من عامة المسلمين ، الذين لا قبل لهم بإدراك تأويله ، ليعلموهم الوقوف عند حدود الإيمان ، وعدم التطلع إلى ما ليس في الإمكان ، وهذا يقرب مما قاله أهل الأصول : إن المجتهد لا يلزمه بيان مدركه للعامي ، إذا سأله عن مأخذ الحكم ، إذا كان المدرك خفيا . وبهذا يحصل الجواب عن احتجاج الفخر بهذه الجملة لترجيح الوقفف على اسم الجلالة .
وعلى قول المتقدمين يكون قوله : ﴿ يقولون ﴾ خبرا ، وقولهم : ﴿ آمنا به ﴾ آمنا بكونه من عند الله ، وإن لم نفهم معناه .
وقوله : ﴿ كل من عند ربنا ﴾ أي كل من المحكم والمتشابه . وهو على الوجهين بيان لمعنى قولهم : ﴿ آمنا به ﴾ ، فلذلك قطعت الجملة . أي كل من المحكم والمتشابه ، منزل من الله .