الله بعلمها . ويؤيد هذا أن الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة . ووصفهم بالرسوخ ، فآذن بأن لهم مزية في فهم المتشابه : لأن المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم الكلام ، ففي أي شيء رسوخهم ، وحكى إمام الحرمين ، عن ابن عباس : أنه قال في هاته الآية : ( أنا ممن يعلم تأويله ) .
وقيل : الوقف على قوله : ﴿ إلا الله ﴾ وإن جملة ﴿ والراسخون في العلم ﴾ مستأنفة ، وهذا مروي عن جمهور السلف ، وهو قول ابن عمر ، وعائشة ، وابن مسعود ، وأبي ، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية ، وقاله عروة بن الزبير ، والكسائي ، والأخفش والفراء ، والحنفية ، وإليه مال فخر الدين .
ويؤيد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم ؛ فإنه دليل بين على أن الحكم الذي أثبت لهذا الفريق ، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضلات ، وهو تأويل المتشابه ، على أن أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل ، فيكون الراسخون معطوفا على اسم الجلالة فيدخلون في أنهم يعلمون تأويله . ولو كان الراسخون مبتدأ وجملة : ( يقولون ءامنا به ) خبرا ، لكان حاصل هذا الخبر مما يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم ، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة . قال ابن عطية : ( تسميتهم راسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب ، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلمه الجميع وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدة ) وما ذكرناه وذكره ابن عطية لا يعد وأن يكون ترجيحا لأحد التفسيرين ، وليس إبطالا لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما يستقيم تأويله ، وما لا مطمع في تأويله .
وفي قوله : ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ إشعار بأن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه .
واحتج أصحاب الرأي الثاني ، وهو رأي الوقف على اسم الجلالة : بأن الظاهر أن يكون جملة ( والراسخون ) مستأنفة لتكون معادلا لجملة : ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ ، والتقدير : وأما الراسخون في العلم . وأجاب التفتازاني بأن المعادل لا يلزم أن يكون مذكورا ، بل قد يحذف لدلالة الكلام عليه . واحتجوا أيضا بقوله تعالى :