وعن ابن مسعود ، وابن عباس أيضا : أن المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ وهذا بعيد عن أن يكون مرادا هنا لعدم مناسبته للوصفين ولا لبقية الآية .
وعن الأصم : المحكم ما اتضح دليله ، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبر ، وذلك كقوله تعالى : والذي نزل من السماء ما ء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون } ( الزخرف : 11 ) فأولها محكم وآخرها متشابه .
وللجمهور مذهبان : أولهما أن المحكم ما اتضحت دلالته ، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه ، ونسب هذا القول لمالك ، في رواية أشهب ، من جامع العتبية ، ونسبه الخفاجي إلى الحنفية وإليه مال الشاطبي في الموافقات .
وثانيهما أن المحكم الواضح الدلالة ، والمتشابه الخفيها ، وإليه مال الفخر : فالنص والظاهر هنا المحكم ، لاتضاح دلالتهما ، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرقه احتمال ضعيف ، والمجمل والمؤول هما المتشابه ، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما : أي المؤول دالا على معنى مرجوح ، يقابله معنى راجح ، والمجمل دالا على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر ، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية .
قال الشاطبي : فالتشابه : حقيقي ، وإضافي ، فالحقيقي : ما لا سبيل إلى فهم معناه ، وهو المراد من الآية ، والإضافي : ما اشتبه معناه ، لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر . فإذا تقصى المجتهد أدلة الشريعة وجد فيها ما يبين معناه ، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدا في الشريعة وبالمعنى الإضافي كثير .
وقد دل هذه الآية على أن من القرآن محكما ومتشابها ، ودلت آيات أخر على أن القرآن كله محكم ، قال تعالى : ﴿ كتاب أحكمت آياته ﴾ ( هود : 1 ) وقال : ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ ( يونس : 1 ) والمراد أنه أحكم وأتقن في بلاغته ، كما دلت آيات على أن القرآن كله متشابه ، قال تعالى : ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ﴾ ( الزمر : 23 ) والمعنى أنه تشابه في الحسن والبلاغة والحقية ، وهو معنى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) فلا تعارض بين هذه الآيات : لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها ، بحسب ما تقتضيه المقامات .