تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ندمهم على عدم الأخذ بنصيحته فقالوا : ﴿ سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ﴾ أرادوا إجابة تقريره بإقرار بتسبيح الله عن أن يعصى أمره في إعطاء حق المساكين فإن من أصول التوبة تدارك ما يمكن تداركه ، واعترافهم بظلم المساكين من أصول التوبة لأنه خبر مستعمل في التندم ، والتسبيح مقدمة الاستغفار من الذنب قال تعالى : ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ﴾ ( النصر : 3 ) .

وجملة ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ إقرار بالذنب ، والتأكيد لتحقيق الإقرار والاهتمام به . ويفيد حرف ( إن ) مع ذلك تعليلا للتسبيح الذي قبله . وحذف مفعول ﴿ ظالمين ﴾ ليعم ظلمهم أنفسهم بما جروه على أنفسهم من سلب النعمة ، وظلم المساكين بمنعهم من حقهم فى المال .

وجرت حكاية جوابهم على طريقة المحاورة فلم تعطف وهي الطريقة التي نبهنا عليها عند قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة .

ولما استقر حالهم على المشاركة في منع المساكين حقهم أخذ بعضهم يلوم بعضا على ما فرط من فعلهم : كل يلوم غيره بما كان قد تلبس به في هذا الشأن من ابتكار فكرة منع المساكين ما كان حقا لهم من حياة الأب ، ومن الممالاة على ذلك ، ومن الاقتناع بتصميم البقية ، ومن تنفيذ جميعهم ذلك العزم الذميم ، فصور قوله : فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } هذه الحالة والتقاذف الواقع بينهم بهذا الإجمال البالغ غاية الإيجاز ، ألا ترى أن إقبال بعضهم على بعض يصور حالة تشبه المهاجمة والتقريع ، وأن صيغة التلاوم مع حذف متعلق التلاوم تصور في ذهن السامع صورا من لوم بعضهم على بعض .

وقد تلقى كل واحد منهم لوم غيره عليه بإحقاق نفسه بالملامة وإشراك بقيتهم فيها فقال كل واحد منهم : ﴿ يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ إلى آخره ، فأسند هذا القول إلى جميعهم لذلك .

فجملة ﴿ قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ إلى آخرها يجوز أن تكون مبينة لجملة ﴿ يتلاومون ، ﴾ أي يلوم بعضهم بعضا بهذا الكلام فتكون خبرا مستعملا في التقريع على طريقة التعريض بغيره والإقرار على نفسه ، مع التحسر والتندم بما أفاده ﴿ يا ويلنا . ﴾ وذلك كلام جامع للملامة كلها ولم تعطف الجملة لأنها مبينة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٨٧