كما كفرتم ، فلم يكن المقصود في إيراده نفي الإشراك وإثبات التوحيد ، إذ الكلام في الإهلاك والإنجاء المعبر عنه ب ﴿ رحمنا ﴾ ( الملك : 28 ) فجيء بجملة ﴿ ءامنا ﴾ على أصل مجرد معناها دون قصد الاختصاص ، بخلاف قوله : ﴿ وعليه توكلنا ﴾ لأن التوكل يقتضي منجيا وناصرا ، والمشركون متوكلون على أصنامهم وقوتهم وأموالهم ، فقيل : نحن لا نتكل على ما أنتم متكلون عليه ، بل على الرحمن وحده توكلنا .
وفعل ﴿ فستعلمون ﴾ معلق عن العمل لمجيء الاستفهام بعده .
وقرأ الجمهور ﴿ فستعلمون ﴾ بتاء الخطاب على أنه مما أمر بقوله الرسول صلى الله عليه وسلم وقرأه الكسائي بياء الغائب على أن يكون إخبارا من الله لرسوله بأنه سيعاقبهم عقاب الضالين .
.
إيماء إلى أنهم يترقبهم عذاب الجوع بالقحط والجفاف فإن مكة قليلة المياه ولم تكن بها عيون ولا آبار قبل زمزم ، كما دل عليه خبر تعجب القافلة من ( جرهم ) التي مرت بموضع مكة حين أسكنها إبراهيم عليه السلام هاجر بابنه إسماعيل ففجر الله لها زمزم ولمحت القافلة الطير تحوم حول مكانها فقالوا : ما عهدنا بهذه الأرض ماء ، ثم حفر ميمون بن خالد الحضرمي بأعلاها بئرا تسمى بئر ميمون في عهد الجاهلية قبيل البعثة ، وكانت بها بئر أخرى تسمى الجفر ( بالجيم ) لبني تيم بن مرة ، وبئر تسمى الجم ذكرها ابن عطية وأهملها ( القاموس ) و ( تاجه ) ، ولعل هاتين البئرين الأخيرتين لم تكونا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
فماء هذه الآبار هو الماء الذي أنذروا بأنه يصبح غورا ، وهذا الإنذار نظير الواقع في سورة القلم ( 17 33 ) { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إلى قوله : لو كانوا يعلمون . !
والغور : مصدر غارت البئر ، إذا نزح ماؤها فلم تنله الدلاء .
والمراد : ماء البئر كما في قوله : أو يصبح ماؤها غورا في ذكر جنة سورة الكهف .