فقد يكون نزول هذه الآيات السابقة صادف مقالة من مقالاتهم هذه فنزلت الآية في أثنائها وقد يكون نزولها لمناسبة حكاية قولهم : ﴿ متى هذا الوعد ﴾ ( الملك : 25 ) بأن قارنه كلام بذيء مثل أن يقولوا : أبعد هلاكك يأتي الوعد .
والإهلاك : الإماتة ، ومقابلة ﴿ أهلكني ﴾ ب ﴿ رحمنا ﴾ يدل على أن المراد : أو رحمنا بالحياة ، فيفيد أن الحياة رحمة ، وأن تأخير الأجل من النعم ، وإنما لم يؤخر الله أجل نبيئه صلى الله عليه وسلم مع أنه أشرف الرسل لحكم أرادها كما دل عليه قوله : ( حياتي خير لكم وموتي خير لكم ) ، ولعل حكمة ذلك أن الله أكمل الدين الذي أراد إبلاغه فكان إكماله يوم الحج الأكبر من سنة ثلاث وعشرين من البعثة ، وكان استمرار نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم خصيصية خصه الله بها من بين الأنبياء ، فلما أتم الله دينه ربا برسوله صلى الله عليه وسلم أن يبقى غير متصل بنزول الوحي فنقله الله إلى الاتصال بالرفيق الأعلى مباشرة بلا واسطة ، وقد أشارت إلى هذا سورة ﴿ إذا جاء نصر الله من قوله : ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره ﴾ ( النصر : 1 3 ) . ولله در عبد بني الحسحاس في عبرته بقوله :
رأيت لمنايا لم يدعن محمدا
ولا باقيا إلا له الموت مرصدا
وقد عوضه الله تعالى بحياة أعلى وأجل ، إذ قال ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ ( الشرح : 4 ) ، وبالحياة الأبدية العاجلة وهي أنه يرد عليه روحه الزكية كلما سلم عليه أحد فيرد عليه السلام كما ثبت بالحديث الصحيح .
وإنما سمى الحياة رحمة له ولمن معه ، لأن في حياته نعمة له وللناس ما دام الله مقدرا حياته ، وحياة المؤمن رحمة لأنه تكثر له فيها بركة الإيمان والأعمال الصالحة .
والاستفهام في ﴿ أرأيتم ﴾ إنكاري أنكر اندفاعهم إلى أمنيات ورغائب لا يجتنون منها نفعا ولكنها مما تمليه عليهم النفوس الخبيثة من الحقد والحسد .
والرؤية علمية ، وفعلها معلق عن العمل فلذلك لم يرد بعده مفعولاه ، وهو معلق بالاستفهام الذي في جملة جواب الشرط ، فتقدير الكلام : أرأيتم أنفسكم ناجين من عذاب أليم إن هلكت وهلك من معي ، فهلاكنا لا يدفع عنكم العذاب المعد للكافرين .