والهاء للمبالغة ، كما تقدم في المعنى الأول ، وتكون تعدية ﴿ بصيرة ﴾ ب ﴿ على ﴾ لتضمينه معنى الرقيب كما في المعنى الأول .
ويحتمل أن تكون ﴿ بصيرة ﴾ صفة لموصوف محذوف ، تقديرة : حجة بصيرة ، وتكون ﴿ بصيرة ﴾ مجازا في كونها بينة كقوله تعالى : ﴿ قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ﴾ ( الإسراء : 102 ) ومنه قوله تعالى : ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة ﴾ ( الإسراء : 59 ) والتأنيث لتأنيث الموصوف .
وقد جرت هذه الجملة مجرى المثل لإيجازها ووفرة معانيها .
وجملة ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ في موضع الحال من المبتدأ وهو الإنسان ، وهي حالة أجدر بثبوت معنى عاملها عند حصولها .
﴿ لو ﴾ هذه وصلية كما تقدم عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في آل عمران . والمعنى : هو بصيرة على نفسه حتى في حال إلقائه معاذيره .
والإلقاء : مراد به الإخبار الصريح على وجه الاستعارة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون في سورة النحل .
والمعاذير : اسم جمع معذرة ، وليس جمعا لأن معذرة حقه أن يجمع على معاذر ، ومثل المعاذير قولهم : المناكير ، اسم جمع منكر . وعن الضحاك : أن معاذير هنا جمع معذار بكسر الميم وهو الستر بلغة اليمن يكون الإلقاء مستعملا في المعنى الحقيقي ، أي الإرخاء ، وتكون الاستعارة في المعاذير بتشبيه جحد الذنوب كذبا بإلقاء الستر على الأمر المراد حجبه .
والمعنى : أن الكافر يعلم يومئذ أعماله التي استحق العقاب عليها ويحاول أن يعتذر وهو يعلم أن لا عذر له ولو أفصح عن جميع معاذيره .
ومعاذيره } : جمع معرف بالإضافة يدل على العموم . فمن هذه المعاذير قولهم : ﴿ رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ﴾ ( المؤمنون : 99 ، 100 ) ومنها قولهم : ﴿ ما جاءنا من بشير ﴾ ( المائدة : 19 ) وقولهم : ﴿ هؤلاء أضلونا ﴾ ( الأعراف : 38 ) ونحو ذلك من المعاذير الكاذبة .