تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و ﴿ الوزر ﴾ : المكان الذي يلجأ إليه للتوقي من إصابة مكروه مثل الجبال والحصون .

فيجوز أن يكون ﴿ كلا لا وزر ﴾ كلاما مستأنفا من جانب الله تعالى جوابا لمقالة الإنسان ، أي لا وزر لك ، فينبغي الوقف على ﴿ المفر ﴾ . ويجوز أن يكون من تمام مقالة الإنسان ، أي يقول : أين المفر ؟ ويجيب نفسه بإبطال طعمه فيقول ﴿ كلا لا وزر ﴾ أي لا وزر لي ، وذلك بأن نظر في جهاته فلم يجد إلا النار كما ورد في الحديث ، فيحسن أن يوصل ﴿ أين المفر ﴾ بجملة ﴿ كلا لا وزر ﴾ .

وأما قوله : ﴿ إلى ربك يومئذ المستقر ﴾ فهو كلام من جانب الله تعالى خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا بقرينة قوله : ﴿ يومئذ ﴾ ، فهو اعتراض وإدماج للتذكير بملك ذلك اليوم .

وفي إضافة ( رب ) إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أنه ناصره يومئذ بالانتقام من الذين لم يقبلوا دعوته .

و ﴿ المستقر ﴾ : مصدر ميمي من استقر ، إذا قر في المكان ولم ينتقل ، والسين والتاء للمبالغة في الوصف .

وتقديم المجرور لإفادة الحصر ، أي إلى ربك لا إلى ملجأ آخر . والمعنى : لا ملجأ يومئذ للإنسان إلا منتهيا إلى ربك ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ وإلى الله المصير ﴾ ( آل عمران : 28 ) .

وجملة ﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ مستأنفة استئنافا بيانيا أثاره قوله : ﴿ إلى ربك يومئذ المستقر ﴾ ، أو بدل اشتمال من مضمون تلك الجملة ، أي إلى الله مصيرهم وفي مصيرهم ينبأون بما قدموا وما أخروا .

وينبغي أن يكون المراد ب ﴿ الإنسان ﴾ الكافر جريا على سياق الآيات السابقة لأنه المقصود بالكلام وإن كان كل إنسان ينبأ يومئذ بما قدم وأخر من أهل الخير ومن أهل الشر قال تعالى : ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء الآية ﴾ ( آل عمران : 30 ) . واختلاف مقامات الكلام يمنع من حمل ما يقع فيها من الألفاظ على محمل واحد ، فإن في القرآن فنونا من التذكير لا تلزم طريقة واحدة . وهذا مما يغفل عن مراعاته بعض المفسرين في حملهم معاني الآيات المتقاربة المغزى على محامل متماثلة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٣٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٣٤٦