أمر محمد وإن أقرب القول فيه أن تقولوا : ساحر جاء بقول هو سحر ، يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته ، فقال ابن إسحاق : فأنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله : ﴿ ذرني ومن خلقت وحيدا ﴾ الآيات .
وعن أبي نصر القشيري أنه قال : قيل بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول كفار مكة : أنت ساحر فوجد من ذلك غما وحم فتدثر بثيابه فقال الله تعالى : ﴿ قم فأنذر ﴾ ( المدثر : 2 ) .
وأياما كان فقد وقع الاتفاق على أن هذا القول صدر عن الوليد بن المغيرة وأنه المعني بقوله تعالى : ﴿ ومن خلقت وحيدا ﴾ فإن كان قول الوليد صدر منه بعد نزول صدر هذه السورة فجملة ﴿ ذرني ومن خلقت وحيدا ﴾ مستأنفة استئنافا ابتدائيا والمناسبة ظاهرة ، وإن كان قول الوليد هو سبب نزول السورة ، كان متصلا بقوله : ﴿ ولربك فاصبر ﴾ ( المدثر : 7 ) على أنه تعليل للأمر بالصبر بأن الله يتولى جزاء هذا القائل ، وما بينهما اعتراض ، ويؤيد هذا أن ابتداء الوحي كان في رمضان وأن فترة الوحي دامت أربعين يوما على الأصح سواء نزل وحي بين بدء الوحي وفترته مدة أيام ، أو لم ينزل بعد بدئه شيء ووقعت فترته ، فيكون قد أشرف شهر ذي القعدة على الانصرام فتلك مدة اقتراب الموسم فأخذ المشركون في الاستعداد لما يقولونه للوفود إذا استخبروهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم
وتصدير الجملة بفعل ﴿ ذرني ﴾ إيماء إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مهتما ومغتما مما اختلقه الوليد بن المغيرة ، فاتصاله بقوله : { ولربك فاصبر يزداد وضوحا .
وتقدم ما في نحو ذرني } وكذا ، من التهديد والوعيد للمذكور بعد واو المعية ، في تفسير قوله تعالى : { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث في سورة القلم .
وجيء بالموصول وصلته في قوله : ومن خلقت وحيدا } لإدماج تسجيل كفران الوليد النعمة في الوعيد والتهديد .
وانتصب ﴿ وحيدا ﴾ على الحال من ﴿ من ﴾ الموصولة .
والوحيد : المنفرد عن غيره في مكان أو حال مما يدل عليه سياق الكلام ، أو شهرة أو قصة ، وهو فعيل من وحد من باب كرم وعلم ، إذا انفرد .