تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واختير لهم ضرب المثل بفرعون مع موسى عليه السلام ، لأن الجامع بين حال أهل مكة وحال أهل مصر في سبب الإعراض عن دعوة الرسول هو مجموع ما هم عليه من عبادة غير الله ، وما يملأ نفوسهم من التكبر والتعاظم على الرسول المبعوث إليهم بزعمهم أن مثلهم لا يطيع مثله كما حكى الله تعالى عنهم بقوله : ﴿ فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ﴾ ( المؤمنون : 47 ) وقد قال أهل مكة ﴿ لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم ﴾ ( الزخرف : 31 ) وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ﴾ ( الفرقان : 21 ) . وقد تكرر في القرآن ضرب المثل بفرعون لأبي جهل وهو زعيم المناوين للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤلبين عليه وأشد صناديد قريش كفرا .

وأكد الخبر ب ( إن ) لأن المخاطبين منكرون أن الله أرسل إليهم رسولا .

ونكر ﴿ رسولا ﴾ لأنهم يعلمون المعني به في هذا الكلام ، ولأن مناط التهديد والتنظير ليس شخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو صفة الإرسال .

وأدمج في التنظير والتهديد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بكونه شاهدا عليهم .

والمراد بالشهادة هنا : الشهادة بتبليغ ما أراده الله من الناس وبذلك يكون وصف ﴿ شاهدا ﴾ موافقا لاستعمال الوصف باسم الفاعل في زمن الحال ، أي هو شاهد عليكم الآن بمعاودة الدعوة والإبلاغ .

وأما شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فهي شهادة بصدق المسلمين في شهادتهم على الأمم بأن رسلهم أبلغوا إليهم رسالات ربهم ، وذلك قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا كما ورد تفصيل تفسيرها في الحديث الصحيح ، وقد تقدم في سورة البقرة .

وتنكير رسولا } المرسل إلى فرعون لأن الاعتبار بالإرسال لا بشخص المرسل إذ التشبيه تعلق بالإرسال في قوله : ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون ﴾ إذ تقديره كإرسالنا إلى فرعون رسولا .

وتفريع ﴿ فعصى فرعون الرسول ﴾ إيماء إلى أن ذلك هو الغرض من هذا الخبر وهو التهديد بأن يحل بالمخاطبين لما عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ما حل بفرعون .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٢٧٣