عطف على قوله : ﴿ فاتخذه وكيلا ﴾ ( المزمل : 9 ) ، والمناسبة أن الصبر على الأذى يستعان عليه بالتوكل على الله .
وضمير ﴿ يقولون ﴾ عائد إلى المشركين ، ولم يتقدم له معاد فهو من الضمائر التي استغني عن ذكر معادها بأنه معلوم للسامعين كما تقدم غير مرة ، ومن ذلك عند قوله تعالى : ﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة ﴾ ( الجن : 16 ) الآيات من سورة ﴿ قل أوحى إلي ﴾ ( الجن : 1 ) ، ولأنه سيأتي عقبه قوله ﴿ وذرني والمكذبين ﴾ ( المزمل : 11 ) فيبين المراد من الضمير .
وقد مضى في السور التي نزلت قبل سورة المزمل مقالات أذى من المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففي سورة العلق ( 9 ، 10 ) ﴿ أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى . قيل هو أبو جهل تهدد رسول الله لئن صلى في المسجد الحرام ليفعلن ويفعلن . وفيها : إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى ﴾ ( العلق : 6 ، 7 ) . قيل هو الأخنس بن شريق ( تنكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان حليفه ) ، وفي سورة القلم ( 2 15 ) ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون إلى قوله : فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ، وقوله : ولا تطع كل حلاف مهين إلى قوله : قال أساطير الأولين ﴾ ( القلم : 15 ) ردا لمقالاتهم . وفي سورة المدثر ( 11 25 ) إن كانت نزلت قبل سورة المزمل { ذرني ومن خلقت وحيدا إلى قوله : إن هذا إلا قول البشر ، قيل : قائل ذلك الوليد بن المغيرة . فلذلك أمر الله رسوله بالصبر على ما يقولون .
والهجر الجميل : هو الحسن في نوعه ، فإن الأحوال والمعاني منها حسن ومنها قبيح في نوعه وقد يقال : كريم ، وذميم ، وخالص ، وكدر ، ويعرض الوصف للنوع بما من شأنه أن يقترن به من عوارض تناسب حقيقة النوع فإذا جردت الحقيقة عن الأعراض التي قد تعتلق بها كان نوعها خالصا ، وإذا ألصق بالحقيقة ما ليس من خصائصها كان النوع مكدرا قبيحا ، وقد أشار إلى هذا قوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) ، وتقدم عند قوله تعالى : { إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل ، ومن هذا المعنى قوله : فصبر جميل في سورة يوسف ، وقوله فاصبر صبرا جميلا في سورة المعارج .
فالهجر الجميل هو الذي يقتصر صاحبه على حقيقة الهجر ، وهو ترك المخالطة فلا يقرنها بجفاء آخر أو أذى ، ولما كان الهجر ينشأ عن بعض المهجور ، أو كراهية