تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالذي يبدو أن موقع هذه الجملة موقع العلة لشيء مما في جملة ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا ﴾ ( المزمل : 6 ) وذلك دائر : بين أن يكون تعليلا لاختيار الليل لفرض القيام عليه فيه ، فيفيد تأكيدا للمحافظة على قيام الليل لأن النهار لا يغني غناءه فيتحصل من المعنى : قم الليل لأن قيامه أشد وقعا وأرسخ قولا ، لأن النهار زمن فيه شغل عظيم لا يترك لك خلوة بنفسك . وشغل النبي صلى الله عليه وسلم في النهار بالدعوة إلى الله وإبلاغ القرآن وتعليم الدين ومحاجة المشركين وافتقاد المؤمنين المستضعفين ، فعبر عن جميع ذلك بالسبح الطويل ، وبين أن يكون تلطفا واعتذارا عن تكليفه بقيام الليل ، وفيه إرشاد إلى أن النهار ظرف واسع لإيقاع ما عسى أن يكلفه فيام الليل من فتور بالنهار لينام بعض النهار وليقوم بمهامه فيه .

ويجوز أن يكون تعليلا لما تضمنه ﴿ أو انقص منه قليلا ﴾ ( المزمل : 3 ) ، أي إن نقصت من نصف الليل شيئا لا يفتك ثواب عمله ، فإن لك في النهار متسعا للقيام والتلاوة مثل قوله تعالى : ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ﴾ ( الفرقان : 62 ) .

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في النهار من أول البعثة قبل فرض الصلوات الخمس كما دل عليه قوله تعالى : ﴿ أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ﴾ ( العلق : 9 ، 10 ) . وقد تقدم في سورة الجن أن استماعهم القرآن كان في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في نخلة في طريقهم إلى عكاظ . ويظهر أن يكون كل هذا مقصودا لأنه مما تسمح به دلالة كلمة ﴿ سبحا طويلا ﴾ وهي من بليغ الإيجاز .

والسبح : أصله العوم ، أي السلوك بالجسم في ماء كثير ، وهو مستعار هنا للتصرف السهل المتسع الذي يشبه حركة السابح في الماء فإنه لا يعترضه ما يعوق جولانه على وجه الماء ولا إعياء السير في الأرض .

وقريب من هذه الاستعارة استعارة السبح لجري الفرس دون كلفة في وصف امرىء القيس الخيل بالسابحات في قوله في مدح فرسه :

مسح إذا ما السابحات على الونى

أثرن الغبار في الكديد المركل

فعبر عن الجاريات بالسابحات .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٢٦٤