تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله : ﴿ وجعل القمر فيهن نورا ﴾ صالح لاعتبار القمر من السماوات ، أي الكواكب على الاصطلاح القديم المبني على المشاهدة ، لأن ظرفية ( في ) تكون لوقوع المحوي في حاويه مثل الوعاء ، وتكون لوقوع الشيء بين جماعته ، كما في حديث الشفاعة ( وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ) ، وقول النميري :

تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت

به زينب في نسوة خفرات

و ﴿ القمر ﴾ كائن في السماء المماسة للأرض وهي المسماة بالسماء الدنيا ، والله أعلم بأبعادها .

وقوله : ﴿ وجعل الشمس سراجا ﴾ هو بتقدير : وجعل الشمس فيهن سراجا ، والشمس من الكواكب .

والإخبار عن القمر بأنه نور مبالغة في وصفه بالإنارة بمنزلة الوصف بالمصدر . والقمر ينير ضوؤه الأرض إنارة مفيدة بخلاف غيره من نجوم الليل فإن إنارتها لا تجدي البشر .

والسراج : المصباح الزاهر نوره الذي يوقد بفتيلة في الزيت يضيء التهابها المعدل بمقدار بقاء مادة الزيت تغمرها .

والإخبار به عن الشمس من التشبيه البليغ وهو تشبيه ، والقصد منه تقريب المشبه من إدراك السامع ، فإن السراج كان أقصى ما يستضاء به في الليل وقل من العرب من يتخذه وإنما كانوا يرونه في أديرة الرهبان أو قصور الملوك وأضرابهم ، قال امرؤ القيس :

يضي سناه أو مصابيح راهب

أمال الذبال بالسليط المفتل

ووصفوا قصر غمدان بالإضاءة على الطريق ليلا .

ولم يخبر عن الشمس بالضياء كما في آية سورة يونس { هو الذي جعل الشمس ضياء ، والمعنى واحد وهو الإضاءة ، فلعل إيثار السراج هنا لمقاربة تعبير نوح في لغته ، مع ما فيه من الرعاية على الفاصلة ، لأن الفواصل التي قبلها جاءت على حروف صحيحة ولو قيل : ضياء لصارت الفاصلة همزة والهمزة قريبة من حروف العلة فيثقل الوقف عليها .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٢٠٣