وتقدم القول في دخول حرف النفي مع ( لا أقسم ) عند قوله : { فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون في سورة الحاقة ( 38 ، 39 ) ، وقوله : فلا أقسم بمواقع النجوم في سورة الواقعة .
وقوله : على أن نبدل خيرا منهم } يحتمل معنيين : أولهما وهو المناسب للسياق أن يكون المعنى على أن نبدلهم خيرا منهم ، أي نبدل ذواتهم خلقا خيرا من خلقهم الذي هم عليه اليوم . والخيرية في الإتقان والسرعة ونحوهما وإنما كان خلقا أتقن من النشأة الأولى لأنه خلق مناسب لعالم الخلود ، وكان الخلق الأول مناسبا لعالم التغير والفناء ، وعلى هذا الوجه يكون ﴿ نبدل ﴾ مضمنا معنى : نعوض ، ويكون المفعول الأول ل ﴿ نبدل ﴾ ضميرا مثل ضمير ﴿ منهم ﴾ أي نبدلهم والمفعول الثاني ﴿ خيرا منهم ﴾ .
و ( من ) تفضيلية ، أي خيرا في الخلقة ، والتفضيل باعتبار اختلاف زماني الخلق الأول والخلق الثاني ، أو اختلافف عالميهما .
والمعنى الثاني : أن نبدل هؤلاء بخير منهم ، أي بأمة خير منهم ، والخيرية في الإيمان ، فيكون ﴿ نبدل ﴾ على أصل معناه ، ويكون مفعوله محذوفا مثل ما في المعنى الأول ، ويكون ﴿ خيرا ﴾ منصوبا على نزع الخافض وهو باء البدلية كقوله تعالى : ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ ( البقرة : 61 ) ، ويكون هذا تهديدا لهم بأن سيستأصلهم ويأتي بقوم آخرين كما قال تعالى : ﴿ إن يشا يذهبكم ويأتت بخلق جديد ﴾ ( فاطر : 16 ) وقوله : ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ ( محمد : 38 ) .
وفي هذا تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم وتذكير بأن الله عالم بحالهم .
وذيل بقوله : ﴿ وما نحن بمسبوقين ، ﴾ والمسبوق مستعار للمغلوب عن أمره ، شبه بالمسبوق في الحلبة ، أو بالمسبوق في السير ، وقد تقدم في قوله تعالى : ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ﴾ ( العنكبوت : 4 ) ، ومنه قول مرة بن عداء الفقعسي :
كأنك لم تسبق من الدهر مرة
إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
يريد : كأنك لم تغلب إذا تداركت أمرك وأدركت طلبتك .