والبديع صلاحية للوفاء بالتدبير الصالح المنوط بعهدة الإنسان ، وصلاحية لإفساد ذلك أو بعثرته .
غير أن الله جعل للإنسان عقلا وحكمة إن هو أحسن استعمالهما نخلت صفاته ، وثقفت من قناته ، ولم يخله من دعاة إلى الخير يصفون له كيف يريض جامح نفسه ، وكيف يوفق بين إدراكه وحسه ، وهؤلاء هم الرسل والأنبياء والحكماء .
فإذا أخبر عن الإنسان بشدة تلبسه ببعض النقائص وجعل ذلك في قالب أنه جبل عليه فالمقصود من ذلك : إلقاء تبعة ذلك عليه لأنه فرط في إراضة نفسه على ما فيها من جبلة الخير ، وأرخى لها العنان إلى غاية الشر ، وفرط في نصائح الشرائع والحكماء .
وإذا أسند ما يأتيه الإنسان من الخير إلى الله تعالى فالمقصود : التنبيه إلى نعمة الله عليه بخلق القوة الجالبة للخير فيه ، ونعمة إرشاده وإيقاظه إلى الحق ، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى : ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ ( النساء : 79 ) عقب قوله : ﴿ قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ ( النساء : 78 ) . وفي هذا المجال زلت أفهام المعتزلة ، وحلكت عليهم الأجواء ، ففكروا وقدروا ، وما استطاعوا مخلصا وما قدروا .
واعلم أن كلمة ( خلق الإنسان ) إذا تعلق بها ما ليس من المواد مثل ﴿ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ﴾ ( الإنسان : 2 ) بل كان من الأخلاق والغرائز قد يعنى بها التنبيه على جبلة الإنسان وأنها تسرع إلى الاعتلاق بمشاعره عند تصرفاته تعريضا بذلك لوجوب الحذر من غوائلها نحو ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ ( الأنبياء : 37 ) ﴿ إن الإنسان خلق هلوعا ﴾ ، وقد ترد للعذر والرفق نحو قوله : ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ ( النساء : 28 ) ، وقد ترد لبيان أصل ما فطر عليه الإنسان وما طرأ عليه من سوء تصرفه في أفعاله كما في قوله تعالى : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ ( التين : 4 5 ) ففعل الخلق من كذا مستعار لكثرة الملابسة . قال عروة بن أذينة :
إن التي زعمت فؤادك ملها
خلقت هواك كما خلقت هوى لها