وقوله : ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ خبر ثان عن اسم ( إن ) وهو تصريح بعد الكناية .
ولك أن تجعل ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ خبر مبتدأ محذوف جرى حذفه على النوع الذي سماه السكاكي بمتابعة الاستعمال في أمثاله وهو كثير في الكلام البليغ ، وتجعل الجملة استئنافا بيانيا لأن القرآن لما وصف بأنه ﴿ قول رسول كريم ﴾ ونفي عنه أن يكون قول شاعر أو قول كاهن ، ترقب السامع معرفة كنهه ، فبين بأنه منزل من رب العالمين على الرسول الكريم ليقوله للناس ويتلوه عليهم .
و ﴿ تنزيل ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة .
والمعنى : إنه منزل من رب العالمين على الرسول الكريم .
وعبر عن الجلالة بوصف ﴿ رب العالمين ﴾ دون اسمه العلم للتنبيه على أنه رب المخاطبين ورب الشعراء والكهانن الذين كانوا بمحل التعظيم والإعجاب عندهم نظير قول موسى لفرعون ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ ( الشعراء : 26 ) .
( 44 47 ) ﴿ ﴾ .
هذه الجملة عطف على جملة ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ﴾ ( الحاقة : 38 39 ) فهي مشمولة لما أفادته الفاء من التفريع على ما اقتضاه تكذيبهم بالبعث من تكذيبهم القرآن ومن جاء به وقال : إنه وحي من الله تعالى .
فمفاد هذه الجملة استدلال ثان على أن القرآن منزل من عند الله تعالى على طريقة المذهب الكلامي ، بعد الاستدلال الأول المستند إلى القسم والمؤكدات على طريقة الاستدلال الخطابي .
وهو استدلال بما هو مقرر في الأذهان من أن الله واسع القدرة ، وأنه عليم فلا يقرر أحدا على أن يقول عنه كلاما لم يقله ، أي لو لم يكن القرآن منزلا من عندنا ومحمد ادعى أنه منزل منا ، لما أقررناه على ذلك ، ولعجلنا بإهلاكه . فعدم هلاكه