استئناف بياني ناشىء عن قوله : ﴿ فمنكم كافر ومنكم مؤمن ﴾ ( التغابن : 2 ) يبين أن انقسامهم إلى قسمي الكافرين والمؤمنين نشأ عن حياد فريق من الناس عن الحق الذي أقيم عليه خلق السماوات والأرض لأن الحق أن يؤمن الناس بوجود خالقهم ، وبأنه واحد وأن يفردوه بالعبادة فذلك الذي أراده الله من خلقهم ، قال تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ ( الذاريات : 56 ) . وقال : ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ﴾ ( الروم : 30 ) فمن حاد عن الإيمان ومال إلى الكفر فقد حاد عن الحق والفطرة .
.
وقوله : ﴿ بالحق ﴾ معترض بين جملة ﴿ خلق السماوات والأرض ﴾ وجملة ﴿ وصوركم ﴾ .
وفي قوله : ﴿ بالحق ﴾ إيماء إلى إثبات البعث والجزاء لأن قوله بالحق متعلق بفعل ﴿ خلق ﴾ تعلق الملابسة المفاد بالباء ، أي خلقا ملابسا للحق ، والحق ضد الباطل ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ إن في خلق السماوات والأرض إلى قوله : ربنا ما خلقت هذا باطلا ﴾ ( آل عمران : 190 ، 191 ) . والباطل مصدقه هنالك هو العبث لقوله تعالى : ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ﴾ ( الدخان : 38 ، 39 ) فتعين أن مصدق الحق في قوله : ﴿ خلق السماوات والأرض بالحق ﴾ أنه ضد العبث والإهمال .
والمراد ب ﴿ خلق السماوات والأرض ﴾ خلق ذواتهن وخلق ما فيهن من المخلوقات كما أنبأ عنه قوله : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ، أي ما خلقناهما وما بينهما إلا بالحق ، فكذلك يكون التقدير في الآية من هذه السورة .
وملابسة الحق لخلق السماوات والأرض يلزم أن تكون ملابسة عامة مطردة لأنه لو اختلت ملابسة حال من أحوال مخلوقات السماوات للحق لكان ناقضا لمعنى ملابسة خلقها للحق ، فكان نفي البعث للجزاء على أعمال المخلوقات موجبا