تعارض مع اختلاف الأحوال والأزمان ، فلو حصل لأحد يقين بالتعجيل إلى النعيم لتمنى الموت إلا أن تكون حياته لتأييد الدين كحياة الأنبياء .
فعلى الأول يحمل حال عمير بن الحمام في قوله :
جريا إلى الله بغير زاد
وحال جعفر بن أبي طالب يوم موتة وقد اقتحم صف المشركين :
يا حبذا الجنة واقترابها
وقول عبد الله بن رواحة :
لكنني أسأل الرحمن مغفرة
وضربة ذات فرغغ تقذف الزبدا
المتقدمة في سورة البقرة لأن الشهادة مضمونة الجزاء الأحسن والمغفرة التامة .
وعلى الثاني يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في تأويل قوله : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ) إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله . وقول موسى عليه السلام لملك الموت : ( فالآن ) .
اعتراض بين جملتي القولين قصد به تحديهم لإقامة الحجة عليهم أنهم ليسوا أولياء لله .
وليس المقصود من هذا معذرة لهم من عدم تمنيهم الموت وإنما المقصود زيادة الكشف عن بطلان قولهم : ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ ( المائدة : 18 ) وإثبات أنهم في شك من ذلك كما دل عليه استدلال القرآن عليهم بتحققهم أن الله يعذبهم بذنوبهم في قوله تعالى : { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم . وقد مر ذلك في تفسير سورة العقود .
والباء في بما قدمت أيديهم } سببية متعلقة بفعل ﴿ يتمنونه ﴾ المنفي فما قدمت أيديهم هو سبب انتفاء تمنيهم الموت ألقى في نفوسهم الخوف مما قدمت أيديهم فكان سبب صرفهم عن تمني الموت لتقدم الحجة عليهم .