تحذير للمخاطبين من المسلمين ، وللتخلص إلى ذكر أخبار عيسى بالرسول الذي يجيء بعده .
ونادى عيسى قومه بعنوان ﴿ بني إسرائيل ﴾ دون ﴿ يا قوم ﴾ ( الصف : 5 ) لأن بني إسرائيل بعد موسى اشتهروا بعنوان ( بني إسرائيل ) ولم يطلق عليهم عنوان : قوم موسى ، إلا في مدة حياة موسى خاصة فإنهم إنما صاروا أمة وقوما بسببه وشريعته .
فأما عيسى فإنما كان مرسلا بتأييد شريعة موسى ، والتذكير بها وتغيير بعض أحكامها ، ولأن عيسى حين خاطبهم لم يكونوا قد اتبعوه ولا صدقوه فلم يكونوا قوما له خالصين .
وتقدم القول في معنى { مصدقا لما بين يدي من التوراة في أوائل سورة آل عمران وفي أثناء سورة العقود .
والمقصود من تنبيههم على هذا التصديق حين ابتدأهم بالدعوة تقريب إجابتهم واستنزال طائرهم لشدة تمسكهم بالتوراة واعتقادهم أن أحكامها لا تقبل النسخ ، وأنها دائمة . ولذلك لما ابتدأهم بهذه الدعوة لم يزد عليها ما حكي عنه في سورة آل عمران من قوله : ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، فيحمل ما هنالك على أنه خطاب واقع بعد أول الدعوة فإن الله لم يوح إليه أول مرة بنسخ بعض أحكام التوراة ثم أوحاه إليه بعد ذلك . فحينئذ أخبرهم بما أوحي إليه .
وكذلك شأن التشريع أن يلقى إلى الأمة تدريجا كما في حديث عائشة في صحيح البخاري } أنها قالت : ( إنما أنزل أول ما أنزل منه ( أي القرآن ) سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو أنزل أول شيء : لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا نترك الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا : لقالوا : لا ندع الزنا أبدا . لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ﴾ ( القمر : 46 ) ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ) اه .
فمعنى قوله : ﴿ مصدقا لما بين يدي من التوراة ﴾ في كلتا الآيتين هو التصديق بمعنى التقرير والأعمال على وجه الجملة ، أي أعمال مجموعها وجمهرة أحكامها ولا