مستمعهم } ، أي من استمع منهم لأجلهم ، أي أرسلوه للسمع . ومثل هذا الإسناد شائع في القرآن وتقدم عند قوله تعالى : { وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب وما بعده من الآيات في سورة البقرة .
و ( في ) للظرفية وهي ظرفية مجازية اشتهرت حتى ساوت الحقيقة لأن الراقي في السلم يكون كله عليه ، فالسلم له كالظرف للمظروف ، وإذ كان في الحقيقة استعلاء ثم شاع في الكلام فقالوا : صعد في السلم ، ولم يقولوا : صعد على السلم ولذلك اعتبرت ظرفية حقيقية ، أي حقيقة عرفية بخلاف الظرفية في قوله تعالى : ولأصلبنكم في جذوع النخل } ( طه : 71 ) لأنه لم يشتهر أن يقال : صلبه في جذع ، بل يقال : صلبه على جذع ، فلذلك كانت استعارة ، فلا منافاة بين قول من زعم أن الظرفية مجازية وقول من زعمها حقيقة .
والفاء في ﴿ فليأت مستمعهم بسلطان مبين ﴾ لتفريع هذا الأمر التعجيزي على النفي المستفاد من استفهام الإنكار . فالمعنى : فما يأتي مستمع منهم بحجة تدل على صدق دعواهم . فلام الأمر مستعمل في إرادة التعجيز بقرينة انتفاء أصل الاستماع بطريق استفهام الإنكار .
والسلطان : الحجة ، أي حجة على صدقهم في نفي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو في كونه على وشك الهلاك .
والمراد بالسلطان ما يدل على إطلاعهم على الغيب من أمارات كأن يقولوا : آية صدقنا فيما ندعيه وسمعناه من حديث الملأ الأعلى ، أننا سمعنا أنه يقع غدا حادث كذا وكذا مثلا ، مما لا قبل للناس بعلمه ، فيقع كما قالوا ويتوسم منه صدقهم فيما عداه . وهذا معنى وصف السلطان بالمبين ، أي المظهر لصحة الدعوى .
وهذا تحد لهم بكذبهم فلذلك اكتفى بأن يأتي بعضهم بحجة دون تكليف جميعهم بذلك على نحو قوله : ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ ( البقرة : 23 ) أي فليأت من يتعهد منهم بالاستماع بحجة . وهذا بمنزلة التذييل للكلام على نحو ما تقدم في قوله : ﴿ قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين ﴾ ( الطور : 31 ) وقوله : ﴿ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ﴾ ( الطور : 34 ) .