التي يردون بها دعوته فلما أشير إلى بعضها بقوله تعالى : ﴿ فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون ﴾ ( الطور : 29 ) انتقل إلى إبطال صفة أخرى يثلثون بها الصفتين المذكورتين قبلها وهي صفة شاعر .
روى الطبري عن قتادة قال قائلون من الناس : تربصوا بمحمد صلى الله عليه وسلم الموت يكفيكموه كما كفاكم شاعر بني فلان وشاعر بني فلان ، ولم يعينوا اسم الشاعر ولا أنه كان يهجو كفار قريش .
وعن الضحاك ومجاهد : أن قريشا اجتمعوا في دار الندوة فكثرت آراؤهم في محمد صلى الله عليه وسلم فقال بنو عبد الدار : هو شاعر تربصوا به ريب المنون ، فسيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى ، فافترقوا على هذه المقالة ، فنزلت هذه الآية فحكت مقالتهم كما قالوها ، أي فليس في الكلام خصوص ارتباط بين دعوى أنه شاعر ، وبين تربص الموت به لأن ريب المنون يصيب الشاعر والكاهن والمجنون . وجاء ﴿ يقولون ﴾ مضارعا للدلالة على تجدد ذلك القول منهم . والتربص مبالغة في : الربص ، وهو الانتظار .
والريب هنا : الحدثان ، وفسر بصرف الدهر ، وعن ابن عباس : ريب في القرآن شك إلا مكانا واحدا في الطور ﴿ ريب المنون ﴾ .
والباء في ﴿ به ﴾ يجوز أن تكون للسبب ، أي بسببه ، أي نتربص لأجله فتكون الباء متعلقة ب ﴿ نتربص ﴾ ويجوز أن تكون للملابسة وتتعلق ب ﴿ ريب المنون ﴾ حالا منه مقدمة على صاحبها ، أي حلول ريب المنون به .
والمنون : من أسماء الموت ومن أسماء الدهر ، ويذكر . وقد فسر بكلا المعنيين ، فإذا فسر بالموت فإضافة ﴿ ريب ﴾ إليه بيانية ، أي الحدثان الذي هو الموت وإذا فسر المنون بالدهر فالإضافة على أصلها ، أي أحداث الدهر من مثل موت أو خروج من البلد أو رجوع عن دعوته ، فريب المنون جنس وقد ذكروا في مقالتهم قولهم : فسيهلك ، فاحتملت أن يكونوا أرادوه بيان ريب الموت أو إن أرادوه مثالا لريب الدهر ، وكلا الاحتمالين جار في الآية لأنها حكت مقالتهم .