ووصف الكتاب بأنه ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ دون : أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن ( التوراة ) آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن ، وأما ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل ( زبور داود ) و ( إنجيل عيسى ) ، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد ( التوراة ) فلما نزل القرآن جاء بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهاد إلى أزيد مما هدت إليه ( التوراة ) .
و ﴿ ما بين يديه ﴾ : ما سبقه من الأديان الحق . ومعنى ﴿ يهدي إلى الحق ﴾ : يهدي إلى الإعتقاد الحق ضد الباطل من التوحيد وما يجب لله تعالى من الصفات وما يستحيل وصفه به .
والمراد بالطريق المستقيم : ما يسلك من الأعمال والمعاملة . وما يترتب على ذلك من الجزاء ، شبه ذلك بالطريق المستقيم الذي لا يضل سالكه عن القصد من سيره . ويجوز أن يراد ب ﴿ الحق ﴾ ما يشمل الإعتقاد والأعمال الصالحة ويراد بالطريق المستقيم الدلائل الدالة على الحق وتزييف الباطل فإنها كالصراط المستقيم في إبلاغ متبعها إلى معرفة الحق .
وإعادتهم نداء قومهم للاهتمام بما بعد النداء وهو ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ إلى آخره لأنه المقصود من توجيه الخطاب إلى قومهم وليس المقصود إعلام قومهم بما لقوا من عجيب الحوادث وإنما كان ذلك توطئة لهذا ، ولأن اختلاف الأغراض وتجدد الغرض مما يقتضي إعادة مثل هذا النداء كما يعيد الخطيب قوله : ( أيها الناس ) كما وقع في خطبة حجة الوداع . واستعير ﴿ أجيبوا ﴾ لمعنى : اعملوا وتقلدوا تشبيها للعمل بما في كلام المتكلم بإجابة نداء المنادي كما في الآية : ﴿ إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ﴾ ( إبراهيم : 22 ) أي إلا أن أمرتكم فأطعتموني لأن قومهم لم يدعهم داع إلى شيء ، أي أطيعوا ما طلب منكم أن تعملوه .
وداعي الله يجوز أن يكون القرآن لأنه سبق في قولهم : ﴿ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ﴾ . وأطلق على القرآن ﴿ داعي الله ﴾ مجازا لأنه يشتمل على طلب الاهتداء بهدي الله ، فشبه ذلك بدعاء إلى الله واشتق منه وصف للقرآن بأنه