وكون ذلك في السماء يجوز أن يكون معناه أنه محقق في علم أهل السماء ، أي الملائكة الموكلين بتصريفه . ويجوز أن يكون المعنى : أن مكان حصوله في السماء ، من جنة أو جهنم بناء على أن الجنة وجهنم موجودتان من قبل يوم القيامة ، وفي ذلك اختلاف لا حاجة إلى ذكره . وفيه إيماء إلى أن ما أوعدوه يأتيهم من قبل السماء كما قال تعالى : ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ﴾ ( الدخان : 10 ، 11 ) . فإن ذلك الدخان كان في طبقات الجو كما تقدم في سورة الدخان .
بعد أن أكد الكلام بالقسم ب ﴿ الذاريات ﴾ ( الذاريات : 1 ) وما عطف عليها فرع على ذلك زيادة تأكيد بالقسم بخالق السماء والأرض على أن ما يوعدون حق فهو عطف على الكلام السابق ومناسبته قوله : ﴿ وما توعدون ﴾ ( الذاريات : 22 ) .
وإظهار اسم السماء والأرض دون ذكر ضميرهما لإدخال المهابة في نفوس السامعين بعظمة الرب سبحانه .
وضمير ﴿ إنه لحق ﴾ عائد إلى ﴿ ما توعدون ﴾ ( الذاريات : 22 ) . وهذا من رد العجز على المصدر لأنه رد على قوله أول السورة ﴿ إن ما توعدون لصادق ﴾ ( الذاريات : 5 ) وانتهى الغرض .
وقوله : ﴿ مثل ما أنكم تنطقون ﴾ زيادة تقرير لوقوع ما أوعدوه بأن شبه بشيء معلوم كالضرورة لا امتراء في وقوعه وهو كون المخاطبين ينطقون . وهذا نظير قولهم : كما أن قبل اليوم أمس ، أو كما أن بعد اليوم غدا . وهو من التمثيل بالأمور المحسوسة ، ومنه تمثيل سرعة الوصول لقرب المكان في قول زهير :
فهن ووادي الرس كاليد للفم
وقولهم : مثل ما أنك ها هنا ، وقولهم : كما أنك ترى وتسمع .