والطغيان : تجاوز الحد في التعاظم والظلم والكفر ، وفعله يائي وواوي ، يقال : طغي يطغى كرضي ، وطغا يطغو كدعا . فمعنى ﴿ ما أطغيته ﴾ ما جعلته طاغيا ، أي ما أمرته بالطغيان ولا زينته له . والاستدراك ناشىء عن شدة المقارنة بينه وبين قرينه لا سيما إذا كان المراد بالقرين شيطانه المقيض له فإنه قرن به من وقت إدراكه ، فالاستدراك لدفع توهم أن المقارنة بينهما تقتضي أن يكون ما به من الطغيان بتلقين القرين فهو ينفي ذلك عن نفسه ، ولذلك أتبع الاستدراك بجملة ﴿ كان في ضلال بعيد ﴾ فأخبر القرين بأن صاحبه ضال من قبل فلم يكن اقترانه معه في التقييض أو في الصحبة بزائد إياه إضلالا ، وهذا نظير ما حكاه الله عن الفريقين في قوله : ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ ( البقرة : 166 ) . وفعل ﴿ كان ﴾ لإفادة أن الضلال ثابت له بالأصالة ملازم لتكوينه .
والبعيد : مستعار للبالغ في قوة النوع حدا لا يبلغ إليه إدراك العاقل بسهولة كما لا يبلغ سير السائر إلى المكان البعيد إلا بمشقة أو بعيد الزمان ، أي قديم أصيل فيكون تأكيدا لمفاد فعل ﴿ كان ﴾ ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا في سورة النساء .
والمعنى : أن تمكن الضلال منه يدل على أنه ليس فيه بتابع لما يمليه غيره عليه لأن شأن التابع في شيء أن لا يكون مكينا فيه مثل علم المقلد وعلم النظار .
( 28 ، 29 ) }
هذا حكاية كلام يصدر يومئذ من جانب الله تعالى للفريقين الذي اتبعوا والذين اتبعوا ، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام يدل عليه قوله : ﴿ فكشفنا عنك غطاءك ﴾ ( ق : 22 ) .
وعدم عطف فعل ﴿ قال ﴾ على ما قبله لوقوعه في معرض المقاولة ، والتعبير بصيغة الماضي لتحقق وقوعه فقد صارت المقاولة بين ثلاثة جوانب .