وجيء في صلة الموصول بفعل ﴿ قالوا ﴾ لإيجاز المقول وغنيته عن أن يقال : اعترفوا بالله وحده وأطاعوه . والمراد : أنهم قالوا ذلك واعتقدوا معناه إذ الشأن في الكلام الصدق وعملوا به لأن الشأن مطابقة العمل للاعتقاد .
﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي : وهو الارتقاء والتدرج ، فإن مراعاة الاستقامة أشق من حصول الإيمان لاحتياجها إلى تكرر مراقبة النفس ، فأما الإيمان فالنظر يقتضيه واعتقاده يحصل دفعة لا يحتاج إلى تجديد ملاحظة . فهذا وجه التراخي الرتبي من جهة ، وإن كان الإيمان أرقى درجة من العمل من حيث إنه شرط في الاعتداد بالعمل ولذلك عطف ب ﴿ ثم ﴾ التي للتراخي في قوله تعالى : ﴿ وما أدراك ما العقبة فك رقبة إلى قوله : ثم كان من الذين آمنوا ﴾ ( البلد : 12 17 ) ، فالاعتباران مختلفان باختلاف المقام المسوق فيه الكلام كما يظهر بالتأمل هنا وهناك ، وتقدم نظيره في سورة فصلت .
ودخول الفاء على خبر الموصول وهو ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ لمعاملة الموصول معاملة الشرط كأنه قيل : إن قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ، ومثله كثير في القرآن ، فأفاد تسبب ذلك في أمنهم من الخوف والحزن . و ﴿ عليهم ﴾ خبر عن خوف ، أي لا خوف يتمكن منهم ويصيبهم ويلحقهم .
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله : ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ لتخصيص المسند إليه بالخبر نحو : ما أنا قلت هذا ، أي أن الحزن منتف عنهم لا عن غيرهم ، والمراد بالغير : من لم يتصف بالإيمان والاستقامة في مراتب الكفر والعصيان ، فجنس الخوف ثابت لمن عداهم على مراتب توقع العقاب حتى في حالة الوجل من عدم قبول الشفاعة فيهم ومن توقع حرمانهم من نفحات الله تعالى .
واستحضارهم بطريق اسم الإشارة في قوله : ﴿ أولئك أصحاب الجنة ﴾ للتنبيه على أنهم أحرياء بما يرد من الإخبار عنهم بما بعد الإشارة لأجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة ، كما تقدم في قوله : { أولئك على هدى من ربهم في أول سورة البقرة