لما كان إنزال الغيث جامعا بين كونه نعمة وكونه آية دالة على بديع صنع الله تعالى وعظيم قدرته المقتضية انفراده بالإلاهية ، انتقل من ذكره إلى ذكر آيات دالة على انفراد الله تعالى بالإلاهية وهي آية خلق العوالم العظيمة وما فيها مما هو مشاهد للناس دون قصد الامتنان . وهذا الانتقال استطراد واعتراض بين الأغراض التي سياق الآيات فيها .
والآيات : جمع آية ، وهي العلامة والدليل على شيء . والسياق دال على أن المراد آيات الإلاهية . والسموات : العوالم العليا غير المشاهدة لنا والكواكب وما تجاوز الأرض من الجو . والأرض : الكرة التي عليها الحيوان والنبات . والبث : وضع الأشياء في أمكنة كثيرة .
والدابة : ما يدب على الأرض ، أي يمشي فيشمل الطير لأن الطير يمشي إذا نزل وهو مما أريد في قوله هنا : ﴿ فيهما ﴾ أي في الأرض وفي السماء ، أي بعض ما يسمى بالسماء وهو الجو وهو ما يلوح للناظر مثل قبة زرقاء على الأرض في النهار ، قال تعالى : ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ﴾ ( النحل : 79 ) فإطلاق الدابة على الطير باعتبار أن الطير يدب على الأرض كثيرا لالتقاط الحب وغير ذلك . وأما الموجودات التي في السموات العلى من الملائكة والأرواح فلا يطلق عليها اسم دابة . ويجوز أن تكون في بعض السماوات موجودات تدب فيها فإن الكواكب من السماوات . والعلماء يترددون في إثبات سكان في الكواكب ، وجوز بعض العلماء المتأخرين أن في كوكب المريخ سكانا ، وقال تعالى : ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ ( النحل : 8 ) ، على أنه قد يكون المراد من الظرفية في قوله : ﴿ فيهما ﴾ ظرفية المجموع لا الجميع ، أي ما بث في مجموع الأرض والسماء من دابة ، فالدابة إنما هي على الأرض ، ولما ذكرت الأرض والسماء مقترنتين وجاء ذكر الدواب جعلت الدواب مظروفة فيهما لأن الأرض محوطة بالسماوات ومتخيلة منها كالمظروف في ظرفه ، والمظروف في ظرف مظروف في ظرف مظروفه كما قال تعالى : ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ ( الرحمن : 19 ) ثم قال :