هذا عود إلى مواجهة المشركين بالتذكير على نحو ما ابتدأت به السورة . وهو تخلص للاستدلال على تفرد الله بالإلاهية إلزاما لهم بما يقرون به من أنه رب السماوات والأرض وما بينهما ، ويقرون بأن الأصنام لا تخلق شيئا ، غير أنهم معرضون عن نتيجة الدليل ببطلان إلاهية الأصنام ألا ترى القرآن يكرر تذكيرهم بأمثال هذا مثل قوله تعالى : ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ﴾ ( النحل : 17 ) وقوله : ﴿ والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء ﴾ ( النحل : 20 ، 21 ) ، ولأجل ذلك ذكر الربوبية إجمالا في قوله : ﴿ رحمة من ربك ﴾ ( الدخان : 6 ) ثم تفصيلا بذكر صفة عموم العلم التي هي صفة المعبود بحق بصيغة قصر القلب المشير إلى أن الأصنام لا تسمع ولا تعلم . وبذكر صفة التكوين المختصة به تعالى بإقرارهم ارتقاء في الاستدلال . فلما لم يكن مجال للريب في أنه تعالى هو الإلاه الحق أعقب هذا الاستدلال بجملة ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ بطريقة إثارة التيقظ لعقولهم إذ نزلهم منزلة المشكوكك إيقانهم لعدم جريهم على موجب الإيقان لله بالخالقية حين عبدوا غيره بأن أتي في جانب فرض إيقانهم بطريقة الشرط ، وأتي بحرف الشرط الذي أصله عدم الجزم بوقوع الشرط على نحو قوله تعالى : ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين ﴾ ( الزخرف : 5 ) .
وقرأ الجمهور ﴿ رب السماوات ﴾ برفع ﴿ رب ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وهو من حذف المسند إليه لمتابعة الاستعمال في مثله بعد إجراء أخبار أو صفات عن ذات ثم يردف بخبر آخر ، ومن ذلك قولهم بعد ذكر شخص : فتى يفعل ويفعل . وهو من الاستئناف البياني إذ التقدير : إن أردت أن تعرفه فهو كذا . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بجر ﴿ رب ﴾ على أنه بدل من قوله : ﴿ ربك ﴾ ( الدخان : 6 ) .
وحذف متعلق ﴿ موقنين ﴾ للعلم به من قوله : ﴿ رب السماوات والأرض وما بينهما ﴾ . وجواب الشرط محذوف دل عليه المقام . والتقدير : إن كنتم موقنين فلا تعبدوا غيره ، ولذلك أعقبه بجملة ﴿ لا إلاه إلا هو ﴾ ( الدخان : 8 ) .