وقد استعمل ﴿ منتقمون ﴾ للزمان المستقبل استعمال اسم الفاعل في الاستقبال ، وهو مجاز شائع مساو للحقيقة والقرينة قوله : ﴿ فإما نذهبن بك ﴾ .
والمراد ب ﴿ الذي وعدناهم ﴾ الانتقام المأخوذ من قوله : ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ . وقد أراه الله تعالى الانتقام منهم بقتل صناديدهم يوم بدر ، قال تعالى : ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ ( الدخان : 16 ) والبطشة هي بطشة بدر .
وجملة ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ جواب الشرط ، واقترن بالفاء لأنه جملة اسمية ، وإنما صيغ كذلك للدلالة على ثبات الانتقام ودوامه ، وأما جملة ﴿ فإنا عليهم مقتدرون ﴾ فهي دليل جواب جملة ﴿ أو نرينك الذي وعدناهم ﴾ المعطوفة على جملة الشرط لأن اقتدار الله عليهم لايناسب أن يكون معلقا على إراءته الرسول صلى الله عليه وسلم الانتقام منهم ، فالجواب محذوف لا محالة لقصد التهويل . وتقديره : أو إما نرينك الذي وعدناهم ، وهو الانتقام تر انتقاما لا يفلتون منه فإنا عليهم مقتدرون ، أي مقتدرون الآن فاسم الفاعل مستعمل في زمان الحال وهو حقيقته .
ولا يستقيم أن تكون جملة ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ دليلا على الجواب المحذوف لأنه يصير : أو إما نرينك الانتقام منهم فإنا منهم منتقمون . وتقديم المجرورين ﴿ منهم ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ على متعلقيهما للاهتمام بهم في التمكن بالانتقام والاقتدار عليهم .
والوعد هنا بمعنى الوعيد بقرينة قوله قبله ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ فإن الوعد إذا ذكر مفعوله صح إطلاقه على الخير والشر ، وإذا لم يذكر مفعوله انصرف للخير وأما الوعيد فهو للشر دائما .
والاقتدار : شدة القدرة ، واقتدر أبلغ من قدر . وقد غفل صاحب ( القاموس ) عن التنبيه عليه . وقد اشتمل هذان الشرطان وجواباهما على خمسة مؤكدات وهي ( ما ) الزائدة ، ونون التوكيد ، وحرف ( إن ) للتوكيد ، والجملة الاسمية ، وتقديم المعمول على ﴿ منتقمون ﴾ .