تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بأنهم كافرون غير مقصود منه إفادة اتصافهم بالكفر ، فتعين أن يكون الخبر غير مستعمل في فائدة الخبر لا بمنطوقه ولا بمفهومه ، فإن مفهوم الحصر وهو : أن الذين آمنوا لا يجادلون في آيات الله كذلك أمر معلوم مقرر ، فيجوز أن يجعل المراد بالذين كفروا نفس المجادلين في آيات الله وأن المراد بكفرهم كفرهم بوحدانية الله بسبب إشراكهم ، فالمعنى : لا عجب في جدالهم بآيات الله فإنهم أتوا بما هو أعظم وهو الإشراك على طريقة قوله تعالى : ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ ( النساء : 153 ) .

ويجوز أن يجعل المراد بالذين كفروا جميع الكافرين بالله من السابقين والحاضرين ، أي ما الجدل في آيات الله إلا من شأن أهل الكفر والإشراك ، ومجادلة مشركي مكة شعبة من شعب مجادلة كل الكافرين ، فيكون استدلالا بالأعم على الخاص ، وعلى كلا الوجهين ترك عطف هذه الجملة على التي قبلها .

والمراد بالمجادلة هنا المجادلة بالباطل بقرينة السياق فمعنى ﴿ في آيات الله ﴾ في صدق آيات الله بقرينة قوله : ﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ ( غافر : 2 ) فتعين تقدير مضاف دل عليه المقام كما دل قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ ( هود : 74 ) ، على تقدير : في إهلاك قوم لوط ، فصيغة المفاعلة للمبالغة في الفعل من جانب واحد لإفادة التكرر مثل : سافر وعافاه الله ، وهم يتلونون في الاختلاق ويعاودون التكذيب والقول الزور من نحو قولهم : ﴿ أساطير الأولين ﴾ ( الأنعام : 25 ) ، ﴿ سحر مبين ﴾ ( المائدة : 110 ) ، ﴿ قول كاهن ﴾ ( الحاقة : 42 ) ، ﴿ قول شاعر ﴾ ( الحاقة : 41 ) لا ينفكون عن ذلك . ومن المجادلة توركهم على الرسول صلى الله عليه وسلم بسؤاله أن يأتيهم بآيات كما يقترحون ، نحو قولهم : ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ﴾ ( الإسراء : 90 ) الآيات وقولهم : ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ﴾ ( الفرقان : 7 ) الآيات .

وقد كان لتعلق ﴿ في ﴾ الظرفية بالجدال ، ولدخوله على نفس الآيات دون أحوالها في قوله : ﴿ ما يجادل في آيات الله ﴾ موقع عظيم من البلاغة لأن الظرفية تحوي جميع أصناف الجدال ، وجعل مجرور الحرف نفس الآيات دون تعيين نحو صدقها أو وقوعها أو صنفها ، فكان قوله : ﴿ في آيات الله ﴾ جامعا للجدل بأنواعه

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٤ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٤ · ص ٨٢