وهذه المقدمة تشير إلى أن الله هو معطي ما يشاء لمن يشاء من خلقه ، ومن أعظم ذلك النبوءة وهدي الشريعة فإن جهل المشركين بذلك هو الذي جرأهم على أن أنكروا اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة دونهم ، واختصاص أتباعه بالهدى فقالوا : ﴿ أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ﴾ ( الأنعام : 53 ) . فهذه الجمل اشتملت على مقدمات ثلاث تقتضي كل واحدة منها دلالة على وحدانية الله بالخلق ، ثم بالتصرف المطلق في مخلوقاته ، ثم بوضع النظم والنواميس الفطرية والعقلية والتهذيبية في نظام العالم وفي نظام البشر . وكل ذلك موجب توحيده وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم والاستمساك بعروته كما رشد بذلك أهل الإيمان .
فأما الجملة الرابعة وهي : ﴿ والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ﴾ فتحتمل الاعتراض ولكن اقترانها بالواو بعد نظائرها يرجح أن تكون الواو فيها عاطفة وأنها مقصودة بالعطف على ما قبلها لأن فيها زيادة على مفاد الجملة قبلها ، وتكون مقدمة رابعة للمقصود تجهيلا للذين هم ضد المقصود من المقدمات فإن الاستدلال على الحق بإبطال ضده ضرب من ضروب الاستدلال . لأن الاستدلال يعود إلى ترغيب وتنفير فإذا كان الذين كفروا بآيات الله خاسرين لا جرم كان الذين آمنوا بآيات الله هم الفائزين ، فهذه الجملة تقابل جملة ﴿ وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ﴾ ( الزمر : 61 ) المنتقل منها إلى هؤلاء الآيات ، وهي مع ذلك مفيدة إنذارهم وتأفين آرائهم ، لأن موقعها بعد دلائل الوحدانية وهي آيات دالة على أن الله واحد يقتضي التنديد عليهم في عدم الاهتداء بها .
ووصف ﴿ الذين كفروا بآيات الله ﴾ بأنهم الخاسرون لأنهم كفروا بآيات من له مقاليد خزائن الخير فعرضوا أنفسهم للحرمان مما في خزائنه وأعظمها خزائن خير الآخرة .
وآيات الله هي دلائل وجوده ووحدانيته التي أشارت إليها الجمل الثلاث السابقة .