و ﴿ إن ﴾ مخففة من ﴿ إن ﴾ المشددة ، واللام في ﴿ لمن الساخرين ﴾ فارقة بين ﴿ إن ﴾ المخففة و ( إن ) النافية .
و ﴿ من الساخرين ﴾ أشد مبالغة في الدلالة على اتصافهم بالسخرية من أن يقال : وإن كنت لساخرة ، كما تقدم غير مرة منها عند قوله تعالى : ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة البقرة .
ومعنى ﴿ أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ إنهم يقولونه لقصد الاعتذار والتنصل ، تعيد أذهانهم ما اعتادوا الاعتذار به للنبيء صلى الله عليه وسلم كما حكى الله عنهم : ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ( الزخرف : 20 ) وهم كانوا يقولونه لقصد إفحام النبي حين يدعوهم فبقي ذلك التفكير عالقا بعقولهم حين يحضرون للحساب . والكلام في من المتقين ﴾ مثله في ﴿ من الساخرين ﴾ .
وأما قولها : ﴿ حين ترى العذاب لو أن لي كرة ﴾ فهو تمن محض . و ﴿ لو ﴾ فيه للتمني ، وانتصب ﴿ فأكون ﴾ على جواب التمني .
والكرة : الرجعة . وتقدم في قوله : ﴿ فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ﴾ في سورة الشعراء ، أي كرة إلى الدنيا فأحسن ، وهذا اعتراف بأنها علمت أنها كانت من المسيئين . وقد حكي كلام النفس في ذلك الموقف على ترتيبه الطبيعي في جولانه في الخاطر بالابتداء بالتحسر على ما أوقعت فيه نفسها ، ثم بالاعتذار والتنصل طمعا أن ينجيها ذلك ، ثم بتمني أن تعود إلى الدنيا لتعمل الإحسان كقوله تعالى : ﴿ قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ﴾ ( المؤمنون : 99 ، 100 ) . فهذا الترتيب في النظم هو أحكم ترتيب ولو رتب الكلام على خلافه لفاتت الإشارة إلى تولد هذه المعاني في الخاطر حينما يأتيهم العذاب ، وهذا هو الأصل في الإنشاء ما لم يوجد ما يقتضي العدول عنه كما بينته في كتاب ( أصول الإنشاء والخطابة ) .