ومع هذا فهي آية مكية إذ لم يختلف المفسرون في أن السورة كلها مكية . وقال ابن عطية : يشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية ، ويشبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلا بها عند إخبار عبد الله إياه ا ه . وفي كلامه الأول مخالفة لما جزم به هو وغيره من المفسرين أن السورة كلها مكية ، وكيف يصح كلامه ذلك وقد ذكر غيره أن النفر الثلاثة هم : عبد ياليل الثقفي وصفوان وربيعة ابنا أمية بنن خلف ، فأما عبد ياليل فأسلم وله صحبة عند ابن إسحاق وجماعة ، وكذلك صفوان بن أمية ، وأما ربيعة بن أمية فلا يعرف له إسلام فلا يلاقي ذلك أن تكون الآية نزلت بعد فتح مكة . وأحسن ما في كلام ابن عطية طرفه الثاني وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلا بها فإن ذلك يؤول قول ابن مسعود فأنزل الله تعالى الآية ، ويبين وجه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم إياها عندما أخبره ابن مسعود بأنه قرأها تحقيقا لمثال من صور معنى الآية ، وهو أن مثل هذا النفر ممن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ، وذلك قاض بأن هؤلاء النفر كانوا مشركين يومئذ ، والآية تحق على من مات منهم كافرا مثل ربيعة بن أمية بن خلف .
وعلى بعض احتمالات هذا التفسير يكون فعل ﴿ تستترون ﴾ مستعملا في حقيقته أي تستترون بأعمالكم عن سمعكم وأبصاركم وجلودكم ، وذلك توبيخ كناية عن أنهم ما كانوا يرون ما هم عليه قبيحا حتى يستتروا منه وعلى بعض الاحتمالات فيما ذكر يكون فعل ﴿ تستترون ﴾ مستعملا في حقيقته ومجازه ، ولا يعوزك توزيع أصناف هذه الاحتمالات بعضها مع بعض في كل تقدير تفرضه . وحاصل معنى الآية على جميع الاحتمالات : أن الله عليم بأعمالكم ونياتكم لا يخفى عليه شيء منها إن جهرتم أو سترتم وليس الله بحاجة إلى شهادة جوارحكم عليكم وما أوقعكم في هذا الضر إلا سوء ظنكم بجلال الله .
﴿ وذالكم ظنكم ﴾ الإشارة إلى الظن المأخوذ من فعل ﴿ ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ﴾ ، ويستفاد من الإشارة إليه تمييزه أكمل تمييز وتشهير شناعته للنداء على ضلالهم .