تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورتب خطبته على أسلوب تقديم الإجمال ثم تعقيبه بالتفصيل ، فابتدأ بقوله : ﴿ اتبعونن أهدكم سبيل الرشاد ﴾ ، وسبيل الرشاد مجمل وهو على إجماله مما تتوق إليه النفوس ، فربط حصوله باتباعهم إياه مما يقبل بهم على تلقي ما يفسر هذا السبيل ، ويسترعي أسماعهم إلى ما يقوله إذ لعله سيأتيهم بما ترغبه أنفسهم إذ قد يظنون أنه نقح رأيه ونخل مقاله وأنه سيأتي بما هو الحق الملائم لهم . وتقدم ذكر ﴿ سبيل الرشاد ﴾ آنفا .

وأعاد النداء تأكيدا لإقبالهم إذ لاحت بوارقه فأكمل مقدمته بتفصيل ما أجمله يذكرهم بأن الحياة الدنيا محدودة بأجل غير طويل ، وأن وراءها حياة أبدية ، لأنه علم أن أشد دفاعهم عن دينهم منبعث عن محبة السيادة والرفاهية ، وذلك من متاع الدنيا الزائل وأن الخير لهم هو العمل للسعادة الأبدية . وقد بنى هذه المقدمة على ما كانوا عليه من معرفة أن وراء هذه الحياة حياة أبدية فيها حقيقة السعادة والشقاء ، وفيها الجزاء على الحسنات والسيئات بالنعيم أو العذاب ، إذ كانت ديانتهم تثبت حياة أخرى بعد الحياة الدنيا ولكنها حرفت معظم وسائل السعادة والشقاوة ، فهذه حقائق مسلمة عندهم على إجمالها وهي من نوع الأصول الموضوعة في صناعة الجدل ، وبذلك تمت مقدمة خطبته وتهيأت نفوسهم لبيان مقصده المفسر لإجمال مقدمته .

فجملة ﴿ إنما هاذه الحيواة الدنيا متاع ﴾ مبينة لجملة ﴿ أهدكم سبيل الرشاد ﴾ . والمتاع : ما ينتفع به انتفاعا مؤجلا . والقرار : الدوام في المكان . والقصر المستفاد من قوله ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ قصر موصوفف على صفة ، أي لا صفة للدنيا إلا أنها نفع موقت ، وهو قصر قلب لتنزيل قومه في تهالكهم على منافع الدنيا منزلة من يحسبها منافع خالدة .

وجملتا ﴿ من عمل سيئة ﴾ إلى آخرهما بيان لجملة ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ قصر قلبب نظير القصر في قوله : ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ ، وهو مؤكد للقصر في

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٤ · ص ١٤٩