والإشارة في قوله كذلك : إلى الضلال المأخوذ من قوله : ﴿ يضل الله ﴾ أي مثل ذلك الضلال يضل الله المسرفين المرتابين ، أي أن ضلال المشركين في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم مثل ضلال قوم فرعون في تكذيبهم موسى عليه السلام . والخطاب بالكاف المقترنة باسم الإشارة خطاب للمسلمين .
والمسرف : المفرط في فعل لا خير فيه . والمرتاب : الشديد الريب ، أي الشك .
وإسناد الإضلال إلى الله كإسناد نفي الهداية إليه في قوله : ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ ( غافر : 28 ) ، وتقدم آنفا .
وقوله : ﴿ الذين يجادلون في آيات الله ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ خبره ﴿ كبر مقتا ﴾ ويجوز أن يكون بدلا من ( من ) في قوله : ﴿ من هو مسرف مرتاب ﴾ فبين أن ماصدق ( من ) جماعة لا واحد ، فروعي في ﴿ من هو مسرف مرتاب ﴾ لفظ ( من ) فأخبر عنه بالإفراد ، وروعي في البدل معنى ( من ) فأبدل منه موصول الجمع . وصلة ﴿ الذين ﴾ عرف بها المشركون من قريش قال تعالى : ﴿ إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ﴾ ( فصلت : 40 ) وقال في هذه السورة : ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد ﴾ .
واختيار المضارع في ﴿ يجادلون ﴾ لإفادة تجدد مجادلتهم وتكررها وأنهم لا ينفكون عنها . وهذا صريح في ذمهم وكناية عن ذم جدالهم الذي أوجب ضلالهم .
وفي الموصولية إيماء إلى علة إضلالهم ، أي سبب خلق الضلال في قلوبهم الإسراف بالباطل تكرر مجادلتهم قصدا للباطل . والمجادلة : تكرير الاحتجاج لإثبات مطلوب المجادل وإبطال مطلوب من يخالفه قال تعالى : ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ ( النحل : 125 ) ، فمن المجادلة في آيات الله المحاجة لإبطال دلالتها ، ومنها المكابرة فيها كما قالوا : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي