الرجل المذكور في سورة القصص في قوله تعالى : ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ﴾ فإن تلك القصة كانت قبيل خروج موسى من مصر ، وهذه القصة في مبدأ دخوله مصر . ولم يوصف هنالك بأنه مؤمن ولا بأنه من آل فرعون بل كان من بني إسرائيل كما هو صريح سفر الخروج . والظاهر أن الرجل المذكور هنا كان رجلا صالحا نظارا في أدلة التوحيد ولم يستقر الإيمان في قلبه على وجهه إلا بعد أن سمع دعوة موسى ، وإن الله يقيض لعباده الصالحين حماة عند الشدائد .
قيل اسم هذا الرجل حبيب النجار وقيل سمعان ، وقد تقدم في سورة ( يس ) أن حبيبا النجار من رسل عيسى عليه السلام . وقصة هذا الرجل المؤمن من آل فرعون غير مذكورة في ( التوراة ) بالصريح ولكنها مذكورة إجمالا في الفقرة السابعة من الإصحاح العاشر ( فقال عبيد فرعون إلى متى يكون لنا هذا ( أي موسى ) فخا أطلق الرجال ليعبدوا الرب إلاههم ) .
والاستفهام في ﴿ أتقتلون ﴾ استفهام إنكار ، أي يقبح بكم أن تقتلوا نفسا لأنه يقول ربي الله ، أي ولم يجبركم على أن تؤمنوا به ولكنه قال لكم قولا فاقبلوه أو ارفضوه ، فهذا محمل قوله : ﴿ أن يقول ربي الله ﴾ وهو الذي يمكن الجمع بينه وبين كون هذا الرجل يكتم إيمانه .
و ﴿ أن يقول ﴾ . مجرور بلام التعليل المقدرة لأنها تحذف مع ( أن ) كثيرا . وذكر اسمم الله لأنه الذي ذكره موسى ولم يكن من أسماء آلهة القبط .
وأما قوله : ﴿ وقد جاءكم بالبينااتت من ربكم ﴾ فهو ارتقاء في الحجاج بعد أن استأنس في خطاب قومه بالكلام الموجه فارتقى إلى التصريح بتصديق موسى بعلة أنه جاء بالبينات ، أي الحجج الواضحة بصدقه ، وإلى التصريح بأن الذي سماه الله في قوله : ﴿ أن يقول ربي الله ﴾ هو رب المخاطبين فقال : ﴿ من ربكم ﴾ . فجملة ﴿ وقد جاءكم بالبينات من ربكم ﴾ في موضع الحال من قوله : ﴿ رجلا ﴾ والباء في ﴿ بالبينات ﴾ للمصاحبة .