المخاطب بقوله : ﴿ فاستفتهم ﴾ ( الصافات : 11 ) . وفعل المضي مستعمل في معنى الأمر وهو من استعمال الخبر في معنى الطلب للمبالغة كما يستعمل الخبر في إنشاء صيغ العقود نحو : بعت . والمعنى : اعجب لهم . ويجوز أن يكون العجب قد حصل من النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى إعراضهم وقلة إنصافهم فيكون الخبر مستعملا في حقيقته . ويجوز أن يكون الكلام على تقدير همزة الاستفهام ، أي بل أعجبت .
والمعنى على الجميع : أن حالهم حرية بالتعجب كقوله تعالى : ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد في سورة الرعد ﴾ .
وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿ بل عجبت ﴾ بضم التاء للمتكلم فيجوز أن يكون المراد : أن الله أسند العجب إلى نفسه . ويعرف أنه ليس المراد حقيقة العجب المستلزمة الروعة والمفاجأة بأمر غير مترقب بل المراد التعجيب أو الكناية عن لازمه ، وهو استعظام الأمر المتعجب منه . وليس لهذا الاستعمال نظير في القرآن ولكنه تكرر في كلام النبوءة منه قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله ليعجب من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد ) رواه النسائي بهذا اللفظ . يعني ثم يسلم القاتل الذي كان كافرا فيقاتل فيستشهد في سبيل الله .
وقوله في حديث الأنصاري وزوجه إذ أضافا رجلا فأطعماه عشاءهما وتركا صبيانهما ( عجب الله من فعالكما ) .
ونزل فيه ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ﴾ ( الحشر : 9 ) . وقوله : ( عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ) . وإنما عدل عن الصريح وهو الاستعظام لأن الكناية أبلغ من التصريح ، والصارف عن معنى اللفظ الصريح في قوله : ﴿ عجبت ﴾ ما هو معلوم من مخالفته تعالى للحوادث .