والمعنى : إن الله وعدهم أن يلاقوا حسنة إذا هم هاجروا من ديار الشرك . وليس حسن العيش ولا ضده مقصورا على مكان معين وقد وقع التصريح بما كني عنه هنا في قوله تعالى : ﴿ قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ ( النساء : 97 ) .
والمراد : الإيماء إلى الهجرة إلى الحبشة . قال ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ قل يا عباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم ﴾ يريد جعفر بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة . ونكتة الكناية هنا إلقاء الإشارة إليهم بلطف وتأنيس دون صريح الأمر لما في مفارقة الأوطان من الغم على النفس ، وأما الآية التي في سورة النساء فإنها حكاية توبيخ الملائكة لمن لم يهاجروا .
وموقع جملة ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ موقع التذييل لجملة ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما عطف عليها لأن مفارقة الوطن والتغرب والسفر مشاق لا يستطيعها إلا صابر ، فذيل الأمر به بتعظيم أجر الصابرين ليكون إعلاما للمخاطبين بأن أجرهم على ذلك عظيم لأنهم حينئذ من الصابرين الذين أجرهم بغير حساب .
والصبر : سكون النفس عند حلول الآلام والمصائب بأن لا تضجر ولا تضطرب لذلك ، وتقدم عند قوله تعالى : ﴿ وبشر الصابرين في سورة البقرة ﴾ . وصيغة العموم في قوله : { الصابرين تشمل كل من صبر على مشقة في القيام بواجبات الدين وامتثال المأمورات واجتناب المنهيات ، ومراتب هذا الصبر متفاوتة وبقدرها يتفاوت الأجر .
والتوفية : إعطاء الشيء وافيا ، أي تاما . والأجر : الثواب في الآخرة كما هو مصطلح القرآن .
وقوله : بغير حساب } كناية عن الوفرة والتعظيم لأن الشيء الكثير لا يتصدى لعده ، والشيء العظيم لا يحاط بمقداره فإن الإحاطة بالمقدار ضرب من الحساب وذلك شأن ثواب الآخرة الذي لا يخطر على قلب بشر .