مراقبتهم إياه بالخوف والرجاء وبتمييزهم بصفة العلم والعقل والتذكر ، بخلاف حال المشركين في ذلك كله ، أتبع ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإقبال على خطابهم للاستزادة من ثباتهم ورباطة جأشهم ، والتقدير : قل للمؤمنين ، بقرينة قوله : ﴿ ياعباد الذين ءامنوا ﴾ الخ .
وابتداء الكلام بالأمر بالقول للوجه الذي تقدم في نظيره آنفا ، وابتداء المقول بالنداء وبوصف العبودية المضاف إلى ضمير الله تعالى ، كل ذلك يؤذن بالاهتمام بما سيقال وبأنه سيقال لهم عن ربهم ، وهذا وضع لهم في مقام المخاطبة من الله وهي درجة عظيمة . وحذفت ياء المتكلم المضاف إليها ﴿ عباد ﴾ وهو استعمال كثير في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم .
وقرأه العشرة ﴿ ياعباد بدون ياء في الوصل والوقف كما في إبراز المعاني ﴾ لأبي شامة وكما في ( الدرة المضيئة ) في القراءات الثلاث المتممة للعشر لعلي الضباع المصري ، بخلاف قوله تعالى : ﴿ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ ( الزمر : 53 ) الآتي في هذه السورة ، فالمخالفة بينهما مجرد تفنن . وقد يوجه هذا التخالف بأن المخاطبين في هذه الآية هم عباد الله المتقون ، فانتسابهم إلى الله مقرر فاستغني عن إظهار ضمير الجلالة في إضافتهم إليه ، بخلاف الآية الآتية ، فليس في كلمة ﴿ ياعباد ﴾ من هذه الآية إلا وجه واحد باتفاق العشرة ولذلك كتبها كتاب المصحف بدون ياء بعد الدال .
وما وقع في ( تفسير ابن عطية ) من قوله : وقرأ جمهور القراء ﴿ قل يا عبادي ﴾ بفتح الياء . وقرأ أبو عمرو أيضا وعاصم والأعشى وابن كثير ﴿ يا عباد ﴾ بغير ياء في الوصل ا ه . سهو ، وإنما اختلف القراء في الآية الآتية ﴿ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ في هذه السورة فإنها ثبتت فيه ياء المتكلم فاختلفوا كما سنذكره .
والأمر بالتقوى مراد به الدوام على المأمور به لأنهم متقون من قبل ، وهو يشعر بأنهم قد نزل بهم من الأذى في الدين ما يخشى عليهم معه أن يقصروا في تقواهم . وهذا الأمر تمهيد لما سيوجه إليهم من أمرهم بالهجرة للسلامة من الأذى في دينهم ، وهو ما عرض به في قوله تعالى : ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ .