.
يجوز أن يكون خبرا ثانيا عن قوله : ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ﴾ وهو كناية عن كونهم كاذبين في قولهم : ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ﴾ وعن كونهم كفارين بسبب ذلك ، وكناية عن كونهم ضالين .
ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا لأن قوله : ﴿ إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ﴾ يثير في نفوس السامعين سؤالا عن مصير حالهم في الدنيا من جراء اتخاذهم أولياء من دونه ، فيجاب بأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ، أي يذرهم في ضلالهم ويمهلهم إلى يوم الجزاء بعد أن بين لهم الدين فخالفوه .
والمراد ب ﴿ من هو كاذب كفار ﴾ الذين اتخذوا من دونه أولياء ، أي المشركين ، فكان مقتضى الظاهر الإتيان بضميرهم ، وعدل عنه إلى الإضمار لما في الصلة من وصفهم بالكذب وقوة الكفر .
وهداية الله المنفية عنهم هي : أن يتداركهم الله بلطفه بخلق الهداية في نفوسهم ، فالهداية المنفية هي الهداية التكوينية لا الهداية بمعنى الإرشاد والتبليغ وهو ظاهر ، فالمراد نفي عناية الله بهم ، أي العناية التي بها تيسير الهداية عليهم حتى يهتدوا ، أي لا يوفقهم الله بل يتركهم على رأيهم غضبا عليهم . والتعبير عنهم بطريق الموصولية لما في الموصول من الصلاحية لإفادة الإيماء إلى علة الفعل ليفيد أن سبب حرمانهم التوفيق هو كذبهم وشدة كفرهم .
فإن الله إذا أرسل رسوله إلى الناس فبلغهم كانوا عندما يبلغهم الرسول رسالة ربه بمستوى متحد عند الله بما هم عبيد مربوبون ثم يكونون أصنافا في تلقيهم الدعوة ؛ فمنهم طالب هداية بقبول ما فهمه ويسأل عما جهله ، ويتدبر وينظر ويسأل ، فهذا بمحل الرضى من ربه فهو يعينه ويشرح صدره للخير حتى يشرق باطنه بنور الإيمان كما قال تعالى : ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ﴾ ( الأنعام : 125 ) وقال : ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ﴾ ( الحجرات : 7 ، 8 ) .