تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك الملك وصيغة الطلب ترد لطلب الدوام مثل : ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ﴾ ( النساء : 136 ) . وتنكير ﴿ ملكا ﴾ للتعظيم .

وارتقى سليمان في تدرج سؤاله إلى أن وصف ملكا أنه لا ينبغي لأحد من بعده ، أي لا يتأتى لأحد من بعده ، أي لا يعطيه الله أحدا يبتغيه من بعده . فكنى ب ﴿ لا ينبغي ﴾ عن معنى لا يعطى لأحد ، أي لا تعطيه أحدا من بعدي .

ففعل : ﴿ ينبغي ﴾ مطاوع بغاه ، يقال : بغاه فانبغى له وليس للملك اختيار وانبغاء وإنما الله هو المعطي والميسر فإسناد الانبغاء إلى الملك مجاز عقلي ، وحقيقته : انبغاء سببه . وهذا من التأدي في دعائه إذ لم يقل : لا تعطه أحدا من بعدي .

وسأل الله أن لا يقيم له منازعا في ملكه وأن يبقى له ذلك الملك إلى موته ، فاستجاب فكان سليمان يخشى ظهور عبده ( يربعام بن نباط ) من سبط أفرايم عليه إذ كان أظهر الكيد لسليمان فطلبه سليمان ليقتله فهرب إلى ( شيشق ) فرعون مصر وبقي في مصر إلى وفاة سليمان . فهذا أيضا مما حمل سليمان أن يسأل الله تثبيت ملكه وأن لا يعطيه أحدا غيره . وكان لسليمان عدوان آخران هما ( هدد ) الأدومي و ( رزون ) من أهل صرفة مقيمين في تخوم مملكة إسرائيل فخشي أن يكون الله هيأهما لإزالة ملكه .

واستعمل ﴿ من بعدي ﴾ في معنى : من دوني ، كقوله تعالى : ﴿ فمن يهديه من بعد الله ﴾ ( الجاثية : 23 ) ، فيكون معنى ﴿ لا ينبغي ﴾ أنه لا ينبغي لأحد غيري ، أي في وقت حياتي فهذا دعاء بأن لا يسلط أحد على ملكه مدة حياته .

وعلى هذا التفسير لا يكون في سؤاله هذا الملك شيء من الاهتمام بأن لا ينال غيره مثل ما ناله هو فلا يرد على ذلك أن مثل هذا يعد من الحسد .

ويجوز أن يبقى ﴿ من بعدي ﴾ على ظاهره ، أي بعد حياتي . فمعنى ﴿ لا ينبغي ﴾ : لا ينبغي مثله لأحد بعد وفاتي . وتأويل ذلك أنه قصد من سؤاله الإشفاق

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٣ · الصفحة ٢٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٣ · ص ٢٦٢