تنحتون } جوابا وبيانا لما يسأل عنه ، وذلك منبىء عن رباطة جأش إبراهيم إذ لم يتلق القوم بالاعتذار ولا بالاختفاء ، ولكنه لقيهم بالتهكم بهم إذ قال : ﴿ بل فعله كبيرهم هذا كما في سورة الأنبياء ﴾ . ثم أنحى عليهم باللائمة والتوبيخ وتسفيه أحلامهم إذ بلغوا من السخافة أن يعبدوا صورا نحتوها بأيديهم أو نحتها أسلافهم ، فإسناد النحت إلى المخاطبين من قبيل إسناد الفعل إلى القبيلة إذا فعله بعضها كقولهم : بنو أسد قتلوا حجر بن عمرو أبا امرىء القيس .
والنحت : بري العود ليصير في شكل يراد ، فإن كانت الأصنام من الخشب فإطلاق النحت حقيقة ، وإن كانت من حجارة كما قيل ، فإطلاق النحت على نقشها وتصويرها مجاز .
والاستفهام إنكاري والإتيان بالموصول والصلة لما تشتمل عليه الصلة من تسلط فعلهم على معبوداتهم ، أي أن شأن المعبود أن يكون فاعلا لا منفعلا ، فمن المنكر أن تعبدوا أصناما أنتم نحتموها وكان الشأن أن تكون أقل منكم .
والواو في ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ واو الحال ، أي أتيتم منكرا إذ عبدتم ما تصنعونه بأيديكم والحال أن الله خلقكم وما تعملون وأنتم معرضون عن عبادته ، أو وأنتم مشركون معه في العبادة مخلوقاتت دونكم . والحال مستعملة في التعجيب لأن في الكلام حذفا بعد واو الحال إذ التقدير : ولا تعبدون الله وهو خلقكم وخلق ما نحتموه .
و ﴿ ما ﴾ موصولة و ﴿ تعملون ﴾ صلة الموصول ، والرابط محذوف على الطريقة الكثيرة ، أي وما تعملونها . ومعنى ﴿ تعملون ﴾ تنحتون . وإنما عدل عن إعادة فعل ﴿ تنحتون ﴾ لكراهية تكرير الكلمة فلما تقدم لفظ ﴿ تنحتون ﴾ علم أن المراد ب ﴿ ما تعملون ﴾ ذلك المعمول الخاص وهو المعمول للنحت لأن العمل أعم . يقال : عملت قميصا وعملت خاتما . وفي حديث صنع المنبر ( أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم عليها الناس ) .
وخلق الله إياها ظاهر ، وخلقه ما يعملونها : هو خلق المادة التي تصنع منها